منبر "الرقيب الدولي"

الزميل مُعين المراشده يكتب: حين كانت أبواب المحال التجارية تُفتح باكراً... وكانت القلوب أكثر يقيناً.

لفتتني كلمات جميلة للناشطة الاجتماعية مجد الدلقموني، استحضرت فيها مشهداً من إربد القديمة.. حين كانت المحال التجارية تفتح أبوابها منذ الصباح الباكر، وتدب الحركة في الأسواق منذ ساعات النهار الأولى، وكان الناس يؤمنون

شاركWhatsAppFacebookX
الزميل مُعين المراشده يكتب: حين كانت أبواب المحال التجارية تُفتح باكراً... وكانت القلوب أكثر يقيناً.


بقلم / مُعين المراشده *

لفتتني كلمات جميلة للناشطة الاجتماعية مجد الدلقموني، استحضرت فيها مشهداً من إربد القديمة.. حين كانت المحال التجارية تفتح أبوابها منذ الصباح الباكر، وتدب الحركة في الأسواق منذ ساعات النهار الأولى، وكان الناس يؤمنون أن في البكور بركة، وأن الرزق بيد الله.

ولعل ما كان يردده الآباء والأجداد لم يكن بعيداً عن هدي نبينا الكريم ﷺ، فقد قال: «اللهم بارك لأمتي في بكورها»، وهو دعاء نبوي عظيم يحمل معنى البركة في البدايات، وفي السعي المبكر إلى طلب الرزق والعمل.

كانت الساعة الثامنة صباحًا كفيلة بأن تجد معظم المحال قد فتحت أبوابها، وصاحب الدكان قد سبق الزبائن إلى مكان رزقه، لا ينتظر أن تمتلئ الشوارع بالناس حتى يبدأ يومه.

أما اليوم، فقد تمر العاشرة والحادية عشرة، وربما تقترب الساعة من الظهر، وما زالت أبواب كثيرة مغلقة. وحين تسأل عن السبب، يأتيك الجواب: «ما في حركة بالسوق، نفتح عالفاضي».

وهنا لا أتحدث عن أصحاب المحال ولا ألومهم على ظروفهم.. فالواقع الاقتصادي تغيّر، وتكاليف الحياة أثقلت الجميع، وحركة الأسواق لم تعد كما كانت. لكنني أتحدث عن شيء أعمق من ساعات فتح المحال وإغلاقها... أتحدث عن ثقافة الرزق التي تغيّرت فينا.

كان أهلنا يقولون: «الملائكة توزع الأرزاق في الصباح»، وكانوا يرون في البكور باباً من أبواب البركة. وكان بعضهم يتحاشى أن يكنس أمام محله في الصباح الباكر، خشية أن «تروح الرزقة».. 

قد تبدو هذه العادات اليوم بسيطة، لكنها كانت تعبّر عن يقين عميق بأن الرزق من الله، وأن على الإنسان أن يسعى ويطرق الباب، ثم يترك أمر النتيجة لخالقه.

كان صاحب الدكان يفتح متجره، يرتب بضاعته، ويبدأ يومه وهو يقول في قلبه: «الله كريم».

لم يكن يعرف ماذا سيبيع في ذلك اليوم، لكنه كان يعرف جيدًا من أين يأتي الرزق.

ولعل أجمل ما نفتقده اليوم ليس ازدحام الأسواق القديمة، ولا أصوات الباعة، ولا أبواب الدكاكين وهي تُفتح تباعًا مع أول خيوط الشمس.. وإنما نفتقد تلك الطمأنينة التي كانت تسكن النفوس... ذلك الشعور بأن السعي واجب، أما الرزق فموعده عند الله.

ربما لا تعود إربد كما كانت، وربما لن تعود الأسواق إلى ما عرفناه في زماننا الأول، لكننا نستطيع أن نستعيد شيئاً أهم.. روح ذلك الزمن، وثقة أهله، وحسن توكلهم، وإيمانهم بأن الله لا ينسى من يسعى.

فالرزق من الله، والسعي منا، والبركة في البدايات.

صباح الخير لإربد، ولأهلها الذين ما زال في ذاكرتهم زمنٌ كانت فيه أبواب المحال تُفتح باكراً، وكانت القلوب قبل الأبواب مفتوحة على الله.

صباح التوكل... وصباح الرزق الحلال، وصباح البركة التي لا تُرى بالعين، ولكن نشعر بها في تفاصيل الحياة.

* ناشر ورئيس هيئة تحرير وكالة "الرقيب الدولي" الإخبارية.

أخبار ذات صلة