وكالة الرقيب الدولي الإخبارية
منبر الرقيب الدولي

عبد الكريم خلف.. من الناطق الرسمي إلى صناعة الرواية

هناك فرق كبير بين أن تكون مسؤولاً يتحدث باسم مؤسسة، وبين أن تصبح بعد سنوات من مغادرة موقعك متحدثاً باسم قراءتك الشخصية للأحداث.

شاركWhatsAppFacebookX
عبد الكريم خلف.. من الناطق الرسمي إلى صناعة الرواية


الرقيب الدولي 

هناك فرق كبير بين أن تكون مسؤولاً يتحدث باسم مؤسسة، وبين أن تصبح بعد سنوات من مغادرة موقعك متحدثاً باسم قراءتك الشخصية للأحداث.

الفريق الركن عبد الكريم خلف يمثل نموذجاً واضحاً لهذا الانتقال. فقد عرفه الجمهور العراقي في مرحلة سابقة باعتباره ناطقاً رسمياً باسم القائد العام للقوات المسلحة، أي أن كلمته آنذاك كانت مرتبطة بمؤسسة رسمية وبمعلومات يفترض أنها تمر عبر قنوات محددة. أما اليوم، فهو يظهر على الشاشات باعتباره خبيراً ومحللاً، ويتحدث من موقع مختلف تماماً؛ موقع يسمح له بتقديم قراءته الخاصة للأحداث.

وهنا تكمن المفارقة.

الجمهور الذي اعتاد أن يسمع من خلف لغة المسؤول الرسمي قد يتعامل مع حديثه الحالي بالثقة نفسها، حتى عندما ينتقل من نقل المعلومات إلى تحليلها، ومن وصف الأحداث إلى تفسير ما وراءها.

ومع الوقت، أصبح واضحاً أن خلف لا يقدم نفسه دائماً كمجرد محلل يقرأ المعطيات المتاحة، بل يميل إلى تقديم روايات واسعة تحتوي على تفاصيل دقيقة، وربط بين أحداث وشخصيات ومعلومات، ثم بناء استنتاجات كبيرة عليها.

هذا الأسلوب ناجح إعلامياً بلا شك. فهو يجذب الانتباه، ويخلق مادة للنقاش، ويمنح المقابلة التلفزيونية شيئاً من الإثارة التي يبحث عنها الإعلام. لكن النجاح الإعلامي شيء، والقيمة التحليلية شيء آخر.

فالمشكلة ليست أن تكون الرواية مثيرة، وإنما أن تكون الإثارة أحياناً أقوى من الأدلة التي تستند إليها.

عندما يتحدث محلل عن تحركات عسكرية، فهذا مجال طبيعي للتقدير والتحليل. لكن عندما ينتقل الحديث إلى مصادر استخبارية واختراقات وتسريبات ومعلومات حصلت عليها جهات معينة من داخل مؤسسات رسمية، فإننا لم نعد أمام قراءة عسكرية عادية. نحن أمام ادعاءات تحتاج إلى مستوى أعلى بكثير من التحقق.

وهنا يفترض أن تتغير طريقة استقبال كلامه.

لا ينبغي للمشاهد أن يسأل فقط: «هل عبد الكريم خلف كان ضابطاً كبيراً؟» بل عليه أن يسأل: «هل هذه المعلومة التي يقولها الآن مثبتة؟ أم أنها تحليله الشخصي؟»

وهذا السؤال مهم لأن الرتبة السابقة قد تمنح صاحبها مصداقية أولية، لكنها لا تمنحه معرفة تلقائية بكل ما يجري بعد خروجه من موقعه الرسمي. بل إن انتقاله من موقع الناطق الرسمي إلى موقع المحلل يعني بالضرورة انتقال طبيعة كلامه من المعلومة المؤسسية إلى التقدير الشخصي.

وهذا لا ينتقص من خبرته، لكنه يضع كلامه في مكانه الصحيح.

قد يصيب خلف في بعض تقديراته، وقد يخطئ في بعضها الآخر. وهذا أمر طبيعي. لكن المشكلة تبدأ عندما لا يترك أسلوب الطرح مساحة واضحة بين الاثنين، فيصبح من الصعب على المتلقي معرفة أين تنتهي المعلومة وأين يبدأ التفسير.

ولعل أخطر ما في هذا النوع من الخطاب أنه لا يحتاج إلى أن يكون خاطئاً بالكامل حتى يؤثر. يكفي أن يحتوي على جزء صحيح، وتفاصيل تبدو منطقية، ونبرة واثقة، حتى تمر بقية الرواية معها دون تدقيق.

وهنا يصبح دور المتلقي أهم من اسم المتحدث.

لا فرق إن كان المتحدث ضابطاً سابقاً أو سياسياً أو صحفياً أو خبيراً. القاعدة واحدة: كلما كان الادعاء كبيراً، كان السؤال عن الدليل أكبر.

عبد الكريم خلف يملك تجربة عسكرية وأمنية تؤهله للحديث والتحليل، لكن هذه التجربة نفسها تضع عليه مسؤولية إضافية في اختيار كلماته. فالمحلل الذي يعرف قيمة المعلومة يعرف أيضاً قيمة أن يقول «لا أعلم»، ويعرف أن التقدير يبقى تقديراً مهما بلغت ثقة صاحبه به.

في النهاية، ليست المشكلة في أن يكون لخلف رأي مختلف، ولا في أن يطرح قراءة لا يتفق معها الآخرون. الاختلاف مطلوب، والتحليل بطبيعته يحتمل أكثر من قراءة.

المشكلة تبدأ عندما تصبح الرواية أقوى من الدليل، والثقة أقوى من المعلومة، والتفاصيل بديلاً عن الإثبات.

وعندها لا يعود السؤال: ماذا قال عبد الكريم خلف؟

بل يصبح السؤال الأهم: كم مما قاله نعرف أنه حقيقة، وكم منه مجرد رواية؟

أخبار ذات صلة