وكالة الرقيب الدولي الإخبارية
أقلام وآراء

المحامي محمد معين المراشده يكتب: هل تصبح الخوارزميات أقرب إلينا؟

أمست المنصات الرقمية جزءًا من تفاصيل حياتنا اليومية، إلى حد قد يصعب معه أحيانًا ملاحظة مقدار ما قد تعرفه عنا، أو مقدار ما قد تتأثر به اختياراتنا من خلالها. وربما لا تكمن المسألة في مجرد وجود هذه المنصات، بل في الطريقة التي

شاركWhatsAppFacebookX
المحامي محمد معين المراشده يكتب: هل تصبح الخوارزميات أقرب إلينا؟


بقلم: المحامي محمد معين المراشده

أمست المنصات الرقمية جزءًا من تفاصيل حياتنا اليومية، إلى حد قد يصعب معه أحيانًا ملاحظة مقدار ما قد تعرفه عنا، أو مقدار ما قد تتأثر به اختياراتنا من خلالها. وربما لا تكمن المسألة في مجرد وجود هذه المنصات، بل في الطريقة التي قد تتعلم بها سلوكنا، وتعيد من خلالها ترتيب ما يظهر أمامنا.

قد نفتح منصة رقمية لثوانٍ، فنجد أمامنا ما قد يقترب كثيرًا من اهتماماتنا؛ كخبر يلامس فكرة كانت في بالنا، أو مقطع قد يشبه مزاجنا، أو موضوع قد يتكرر أمامنا أكثر من اللازم. وقد يبدو ذلك للوهلة الأولى مجرد ميزة ذكية ومريحة، لكن وفي ذات الوقت قد يستحق أن نسأل: هل نحن من نختار ما نراه دائمًا، أم أن ما نراه قد يبدأ هو أيضًا في التأثير على اختياراتنا؟

فالخوارزمية قد تحصد من يومنا أفكارًا عنا تتجاوز ما نتصوره، حتى يكاد يبدو أحيانًا أنها تقترب شيئًا فشيئًا من معرفة السبيل الذي يقود إلى اهتماماتنا. فقد تدرس سلوكنا، وما نبحث عنه، وما نتوقف عنده، وما نحب أو نكره، ثم تعرض لنا محتويات قد تجذبنا وتزداد قربًا منا مرة تلو أخرى، حتى نجد أنفسنا نبحر في مساحة رقمية تشبهنا كثيرًا، وقد لا نعلم أين يمكن أن تُرسي بنا.

مما قد يفتح أمامنا العديد من التساؤلات: هل يمكن أن يكون لهذا القرب وجهٌ جميل، سهّل علينا الوصول إلى ما نريد، واختصر مسافات البحث والانتظار؟ وإذا كان الأمر كذلك، هل يمكن أن تحمل هذه السهولة في جعبتها وجهًا غامضًا يقودنا نحو الكسل، ويجعلنا أكثر نمطية واعتيادًا، حتى نكاد نقترب من سلوك الآلات التي لا تفكر، ولا تبدع، ولا تجتهد؟

قد يبرز تساؤل آخر أيضًا: إذا كانت الخوارزمية تعرض أمامنا ما يشبهنا أكثر، فهل يمكن أن تضيق المساحة من حولنا شيئًا فشيئًا، فنسمع ما ينسجم معنا أكثر، بينما تتراجع الآراء المختلفة؟ وهل يمكن أن تميل البوصلة بهدوء نحو أفكار بعينها من غير أن ننتبه؟

لهذا قد يكون من الأفضل والأأمن أن نتعامل مع المنصات الرقمية بصورة تتوخى الحذر والوعي، وأن نراجع ما نشاركه من بيانات، وننوّع مصادر ما نقرأ، ونتوقف أحيانًا أمام المحتوى المتكرر ونسأل: لماذا ظهر لي هذا تحديدًا؟ ولماذا الآن؟

ربما لا تكمن المسألة في الخوارزمية ذاتها، بل في مقدار المسافة التي نسمح لها أن تقترب فيها منا، حتى لا يصبح من الصعب التمييز بين ما اخترناه فعلًا، وما قد يكون قد جرى اختياره لنا.

 محامي وباحث دكتوراه في مجال القانون الجنائي الدولي وجرائم الأمن السيبراني.

أخبار ذات صلة