سخاء محمد تكتب: شكري المراشده... حين تصبح خدمة الإنسان طريقًا لخدمة الوطن
ثمة رجال يمرّون في مواقع المسؤولية، وثمة رجال يتركون في المكان معنىً أبقى من الموقع ذاته؛ لأنهم أدركوا مبكرًا أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملكه من سلطة، بل بما يصنعه من أثر، وأن أجمل ما يمكن أن يخلّفه المرء وراءه هو إنسانٌ تعلّم، وشابٌ
ثمة رجال يمرّون في مواقع المسؤولية، وثمة رجال يتركون في المكان معنىً أبقى من الموقع ذاته؛ لأنهم أدركوا مبكرًا أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملكه من سلطة، بل بما يصنعه من أثر، وأن أجمل ما يمكن أن يخلّفه المرء وراءه هو إنسانٌ تعلّم، وشابٌ وجد طريقه، وأسرةٌ استردّت الأمل، ومجتمعٌ أصبح أكثر قدرة على النهوض.
ومن هذه المساحة تحديدًا يمكن قراءة تجربة الدكتور شكري المراشدة؛ تجربة لا تفصل بين خدمة الإنسان وخدمة الوطن، ولا تنظر إلى التعليم بوصفه قاعاتٍ ومحاضرات وشهادات فحسب، وإنما باعتباره مشروعًا وطنيًا لبناء الإنسان، وتحرير طاقاته، وتوسيع آفاقه، ومنحه الأدوات التي تجعله قادرًا على أن يصنع مستقبله ويسهم في مستقبل وطنه.
فالوطن، في هذه الفلسفة، لا يُبنى بالحجر وحده، بل بالعقول التي تعرف، والإرادات التي تعمل، والقيم التي تمنح المعرفة معناها.
ولهذا ظل التعليم في فكر المراشدة استثمارًا في أثمن ما يملكه الوطن: أبناؤه. فالجامعة ليست مبانيَ ترتفع، بل عقولٌ ترتقي؛ وليست شهادة تُعلّق على الجدران، بل معرفة تتحول إلى قدرة، وطموح يتحول إلى إنجاز، وشاب يدخل الحياة أكثر ثقة وكفاءة وانتماءً.
ومن هنا تتقاطع في شخصيته روح رجل التعليم مع حسّ الإنسان؛ فلا قيمة للمعرفة إن لم ترتقِ بحياة الناس، ولا معنى للنجاح المؤسسي إن لم ينعكس على المجتمع، ولا تكتمل رسالة الجامعة إن بقيت أسوارها فاصلة بينها وبين محيطها.
إنها فلسفة ترى في كل طالب مشروع مستقبل، وفي كل فرصة تعليم نافذة يمكن أن تغيّر حياة، وفي كل شاب يمتلك المعرفة والمهارة لبنةً جديدة في صرح الوطن.
ولعل هذا الفهم هو ما يفسر قرب المراشدة من الطلبة والمدارس والمجتمع المحلي؛ فعندما تمتد اليد إلى طالب في بداية عامه الدراسي بحقيبة وقرطاسية، قد يبدو المشهد بسيطًا في ظاهره، لكنه يحمل معنى أعمق بكثير: أن التعليم حق يستحق أن نصون الطريق إليه، وأن الطفل الذي نسانده اليوم قد يكون طبيب الغد أو معلمه أو مهندسه أو مبدعه.
فالأوطان الكبيرة تبدأ أحيانًا من حقيبة صغيرة يحملها طفل إلى مدرسته وهو أكثر فرحًا وأملًا.
والإنسانية عند المراشدة لا تنفصل عن هذه الرؤية. فهي ليست خطابًا للمناسبات، ولا صورة عابرة أمام الكاميرات، بل نهجٌ يتجلى في القرب من الناس، والإصغاء إليهم، ومساندة من يحتاج، والوفاء للمجتمع الذي كان وما يزال شريكًا في مسيرته.
وعندما يمتد العطاء سنوات طويلة ليصل إلى الأرامل والأيتام والأسر العفيفة والطلبة والمدارس ومؤسسات المجتمع، يصبح من الصعب وصفه بأنه مبادرة؛ فالمبادرات تبدأ وتنتهي، أما القيم فتستمر.
وهنا تكمن واحدة من أجمل صور المسؤولية: أن تمنح دون أن تنتقص من كرامة من تمنحه، وأن تساعد الإنسان ليقف، لا ليظل محتاجًا إلى من يسنده؛ لأن أرقى أشكال العطاء ليست تلك التي تقدم شيئًا للإنسان فحسب، وإنما تلك التي تمنحه فرصة ليصبح أكثر قدرة على صناعة حياته بنفسه.
ومن التعليم تحديدًا يصبح هذا العطاء أكثر استدامة. فقد تستطيع مساعدة إنسان في حاجة آنية، لكنك حين تمنحه تعليمًا نوعيًا وفرصة حقيقية ومعرفة ومهارة، فإنك لا تغير يومًا واحدًا من حياته، بل ربما تغير مسار حياته بأكمله.
وهذا هو الاستثمار الذي لا تنضب عوائده: الاستثمار في الإنسان.
فالجامعات، في معناها الأسمى، ليست مصانع للشهادات، وإنما مصانع للأمل والكفاءة والوعي. ومنها تخرج العقول التي تحمي مكتسبات الوطن، وتبني اقتصاده، وتقود مؤسساته، وتصنع ابتكاره، وتحمل هويته بثقة إلى العالم.
وفي زمن تتسابق فيه الدول على المعرفة والتكنولوجيا والابتكار، يصبح بناء الإنسان المتعلم والمبدع والمتمكن أحد أصدق أشكال الانتماء الوطني؛ لأن خدمة الوطن ليست شعارًا يقال، وإنما عملٌ يُتقن، وعلمٌ يُنتج، وفرصةٌ تُصنع، وجيلٌ يُؤهَّل ليكون جديرًا بالمستقبل.
وهذه الرؤية تمنح تجربة المراشدة بعدًا يتجاوز الإدارة اليومية للمؤسسة؛ إذ يصبح تطوير التعليم، والارتقاء بالجامعة، والانفتاح على التخصصات الحديثة، وربط المعرفة باحتياجات المستقبل، جزءًا من مسؤولية أكبر
عنوانها: كيف نصنع للشباب مساحة أوسع للحلم والإنجاز؟
فالشباب الذين يجدون تعليمًا جيدًا وفرصًا حقيقية لا يحملون شهاداتهم فقط؛ إنهم يحملون معهم قدرة وطن على المنافسة والتقدم.
ولهذا فإن الحديث عن إنسانية الدكتور شكري المراشدة لا ينبغي أن يتوقف عند المبادرات الخيرية، على أهميتها ونبلها؛ فالإنسانية في صورتها الأعمق تظهر أيضًا في صناعة الفرص، وفتح أبواب المعرفة، والإيمان بطاقات الشباب، وبناء مؤسسة تعليمية يكون الإنسان فيها غاية التنمية ووسيلتها في آن واحد.
وقد تكون الأرقام قادرة على توثيق الإنجازات، والتصنيفات قادرة على قياس التقدم، والتقارير قادرة على تسجيل ما تحقق، لكنها جميعًا تعجز عن قياس أشياء أكثر جمالًا: طالبًا تبدلت حياته لأن أحدًا آمن بقدرته، وشابًا وجد فرصة كان يبحث عنها، وأمًا اطمأنت إلى مستقبل ابنها، وطفلًا شعر أن حلمه يستحق أن يجد من يحميه.
تلك هي الإنجازات التي لا تظهر دائمًا في الجداول، لكنها تبقى طويلًا في ذاكرة الناس.
وفي النهاية، قد تتغير المواقع والمسميات، وقد تمر السنوات وتتعاقب المسؤوليات، لكن ما يبقى للإنسان هو ذلك الجزء الذي زرعه في حياة الآخرين.
ويبقى أجمل ما في فلسفة شكري المراشدة أنها تختصر معادلة كبيرة بكلمات قليلة:
أن تخدم الوطن، عليك أن تبني الإنسان.
وأن تبني الإنسان، عليك أن تمنحه العلم والكرامة والفرصة والأمل.
فحين يصبح التعليم رسالة، والعطاء قيمة، والمسؤولية التزامًا أخلاقيًا، لا يعود النجاح مجرد إنجاز شخصي أو مؤسسي؛ بل يصبح أثرًا يمتد من الإنسان إلى المجتمع، ومن المجتمع إلى الوطن، ومن الحاضر إلى أجيال لم تأتِ بعد.