د. علي السعد يكتب: التبرع بالأعضاء... من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً
إضافة خيار التبرع بالأعضاء إلى تطبيق «سند» خطوة مهمة وجديرة بالاهتمام، وتعكس اهتمام الدولة بهذا الموضوع الإنساني والطبي. لكنها، في رأيي، ليست كافية وحدها، لأن قضية التبرع بالأعضاء تحتاج إلى تفعيل أكبر، وحملة
إضافة خيار التبرع بالأعضاء إلى تطبيق «سند» خطوة مهمة وجديرة بالاهتمام، وتعكس اهتمام الدولة بهذا الموضوع الإنساني والطبي. لكنها، في رأيي، ليست كافية وحدها، لأن قضية التبرع بالأعضاء تحتاج إلى تفعيل أكبر، وحملة توعية مستمرة، وتغطية إعلامية أوسع.
ففي الأردن توجد مديرية مختصة بالتبرع بالأعضاء تتبع وزارة الصحة ومقرها مستشفى البشير، وهذا أمر مهم، لكننا بحاجة إلى أن ننتقل من مجرد وجود مؤسسة وخيار إلكتروني إلى ثقافة مجتمعية راسخة للتبرع بالأعضاء.
فالموضوع ليس بهذه السهولة.
هناك من يعتقد أن التبرع بالأعضاء غير جائز شرعاً، وهناك من يجد صعوبة في اتخاذ مثل هذا القرار بعد وفاة شخص عزيز عليه، خاصة في لحظات الحزن والصدمة وفقدان أحد أفراد الأسرة.
وهنا يأتي الدور المهم لعلماء الدين وأئمة المساجد ووسائل الإعلام في توضيح الحكم الشرعي، وبيان الفتاوى التي تجيز التبرع بالأعضاء وفق الضوابط الشرعية، والتأكيد أن التبرع يمكن أن يكون من أعظم صور الصدقة والعطاء وإنقاذ حياة إنسان آخر.
وكثير من الوفيات، وخاصة بين الشباب، تحدث نتيجة حوادث السير وغيرها، وقد يكون بعض هؤلاء المتوفين مؤهلين للتبرع بالقرنيات، التي يمكن أن تعيد البصر لإنسان فقده، أو بأعضاء أخرى يمكن أن تنقذ حياة مرضى ينتظرون فرصة للحياة.
وهناك أيضاً التبرع من الأحياء.
فالتبرع بكلية من شخص سليم لمريض يعاني من الفشل الكلوي، وفق الضوابط الطبية والقانونية، يمكن أن يمنح المريض حياة جديدة، بينما يستطيع المتبرع أن يعيش حياته بصورة طبيعية بكلية واحدة بعد التقييم الطبي المناسب.
وينطبق الأمر، في حالات محددة، على التبرع بجزء من الكبد، وكذلك التبرع بالخلايا الجذعية المكوّنة للدم، أو ما يعرف شعبياً بنخاع العظم، لبعض مرضى اللوكيميا وأمراض الدم.
وهنا تتجلى أسمى صور الإنسانية: أن يمنح الإنسان جزءاً من جسده لإنقاذ إنسان آخر، مع المحافظة على سلامة المتبرع وفق المعايير الطبية.
ولنتذكر أيضاً معاناة مرضى الفشل الكلوي الذين يحتاجون إلى غسيل الكلى بصورة مستمرة، وما تتحمله الدولة من تكاليف كبيرة لتوفير هذه الخدمة، إضافة إلى المعاناة اليومية للمريض وأسرته.
إن نجاح زراعة الكلى يمكن أن يغير حياة المريض بصورة كبيرة، ولذلك فإن تشجيع التبرع وزيادة فرص زراعة الأعضاء ليس قضية إنسانية فقط، وإنما له أيضاً بعد صحي واقتصادي مهم.
وقد يضطر بعض المرضى إلى السفر خارج البلاد لإجراء زراعة الأعضاء، وما يرافق ذلك من أعباء مالية وإنسانية كبيرة، فضلاً عن المخاطر التي قد تواجه المريض وأسرته.
ومن قدسية هذا العمل الإنساني أن الأعضاء البشرية ليست سلعة للبيع والشراء. فالتبرع يجب أن يبقى عملاً إنسانياً خالصاً، بعيداً عن الاستغلال والمتاجرة بجسد الإنسان. وحظر بيع الأعضاء والاتجار بها يؤكد احترام كرامة الإنسان وقدسية جسده، وأن إنقاذ حياة إنسان يجب ألا يتحول إلى تجارة تحكمها القدرة المالية.
وإذا كان الحديث عن التبرع بالأعضاء يبدو صعباً، فإن التبرع بالدم، وهو أبسط وأوسع انتشاراً، ما زال لدى البعض يثير الخوف والتردد، رغم حاجة بنوك الدم المستمرة للمتبرعين.
ومن المفيد هنا أن نعرف أن هناك حوافز تقدم للمتبرعين بالدم، ومنها التأمين الصحي لمدة ستة أشهر، لكن كثيراً من الناس لا يعرفون بهذه الميزة.
ولي تجربة شخصية في هذا المجال ما زلت أعتز بها.
عندما كنت مديراً لمستشفى عجلون، وقبل أكثر من خمسة وعشرين عاماً، تمكنا من إقناع أهل أحد المتوفين بالتبرع بالقرنيتين، وكانت النتيجة أن أعيدت نعمة البصر إلى شابين جامعيين.
وكانت تلك الحالة، حسب ما أذكر، الأولى من نوعها في محافظة عجلون.
هذه التجربة علمتني أن الموضوع ليس سهلاً، لكنه في الوقت نفسه ليس مستحيلاً.
فالطب اليوم قطع أشواطاً هائلة في مجال زراعة الأعضاء.
ففي 3 كانون الأول عام 1967 أجرى الجراح الجنوب أفريقي كريستيان برنارد أول عملية زراعة قلب من إنسان إلى إنسان في مستشفى غروت شور في مدينة كيب تاون بجنوب أفريقيا.
وفي الأردن، وفي 9 آب عام 1985، أجريت أول زراعة قلب في مركز القلب، في إنجاز طبي تاريخي على يد فريق طبي أردني برئاسة الدكتور داؤود حنانيا.
وهذا التطور الكبير في العلم يجعل السؤال اليوم ليس: هل نستطيع زراعة الأعضاء؟
فالجواب أصبح واضحاً: نعم، نستطيع.
ولكن السؤال الأهم هو: هل نستطيع أن نوفر الأعضاء لمن يحتاجها؟
وهنا يأتي دورنا جميعاً.
نحن بحاجة إلى توعية دينية واضحة، وتثقيف صحي مستمر، وإعلام مسؤول، وثقة بالمؤسسات الصحية، وتسهيلات وحوافز من الحكومة، وتفعيل أكبر لبرنامج التبرع بالأعضاء.
إنسان قد يرحل، ولكن يمكن أن تبقى منه أعضاء تمنح إنساناً آخر حياة، أو تعيد إليه بصراً، أو تخفف عنه سنوات من المعاناة.
التبرع بالأعضاء ليس مجرد إجراء طبي... إنه ثقافة إنسانية، ورسالة حياة.