لم تعد السوشال ميديا نافذةً للكلام، بل صارت في كثير من الأحيان مقبرةً مفتوحةً للأخلاق؛ يدخلها البعض بوجهٍ عادي، ويخرج منها كطاووسٍ منفوشِ الريش، يستعرض
لم تعد السوشال ميديا نافذةً للكلام، بل صارت في كثير من الأحيان مقبرةً مفتوحةً للأخلاق؛ يدخلها البعض بوجهٍ عادي، ويخرج منها كطاووسٍ منفوشِ الريش، يستعرض وهمه خلف صورة حساب، أو اسمٍ مستعار، أو رتبةٍ وهمية، أو تعليقٍ يقطر سمًّا، ثم يسمّيه صاحبه رأيًا.
في هذا العالم الأزرق، لم يعد الإنسان يحتاج إلى شجاعة كي يؤذي. يكفيه هاتف مشحون، وقلب صدئ، وضمير نائم، وعبارة جارحة يطلقها في وجه شخص لا يعرفه، ولا يعرف بيته.
التنمر عند أصحاب الضمير الغائب لم يعد عيبًا. صار خفةَ دم. والشماتة لم تعد قسوة. صارت تحليلًا. والافتراء لم يعد جريمة أخلاقية. صار منشورًا قابلًا للمشاركة. والإساءة لم تعد سقوطًا. صارت بطولة عند القطيع الرقمي.
أخطر ما في السوشال ميديا أنها منحت الجبان منصة، ومنحت الحاقد متابعين، ومنحت الوضيع فرصة ليبدو مهمًا. صار الذي لا يملك فكرة يملك شتيمة، والذي لا يملك حجة يملك سخرية، والذي لا يملك حضورًا يفتش عن ضحية يصعد فوق كتفها.
هناك من يدخل إلى المنصات كما تدخل السكاكين إلى الندوب؛ لا يبحث عن الحقيقة، بل عن موضعٍ طريٍّ في الألم، يطعنه ثم ينام مطمئنًا كأنه أدّى واجبًا وطنيًا.
أي زمن هذا الذي صار فيه ستر الناس ضعفًا، وفضحهم شجاعة، والتريث غباء، والتسرع ذكاء؟
أي انحدار هذا الذي جعل صورةً مبتورة تكفي لإعدام إنسان، وجملةً ناقصة تكفي لتشويه سيرة، وإشاعةً رخيصة تكفي لإحراق بيت كامل؟
في السوشال ميديا، يستطيع الفاشل أن يجلس على منصة القضاء، والجاهل أن يفتح مدرسة للحكمة، والمنافق أن يبيع الأخلاق بالتقسيط، والمتنمر أن يضع على كتفيه عباءة الناصحين. تكفيه شاشة تخفي وجهه، ولوحة مفاتيح تتحول إلى خنجر، وقطيع متعطش يظن الوحل ماءً طهورًا؛ حتى صار من فقراء العقل والعلم من يُنصّب نفسه وزيرًا أو رئيسًا، ويجلس من خلف شاشة ليخطط لوطن لا يعرف من شؤونه شيئًا، ولا يرى فيه إلا مادةً صالحة للثرثرة والادعاء.
المشكلة ليست في التكنولوجيا، بل في الإنسان حين يحصل على مكبّر صوت قبل أن يحصل على تربية؛ في لسانٍ تحرر من الأخلاق، وإصبعٍ سبق العقل إلى زر الإرسال.
صار بعض الناس يتعاملون مع سمعة الإنسان كأنها منشفة عامة. يمسحون بها أحقادهم، ثم يرمونها في التعليقات. يلوّثون الاسم، ويكسرون الخاطر، ويهدمون المعنى، ثم يكتبون في آخر المنشور: "مع الاحترام". أي احترام هذا الذي يصل متأخرًا بعد أن تكون السكين قد أدت مهمتها؟
أما ما يحدث في كثير من المنصات فليس نقدًا، بل وليمة نهشٍ جماعية؛ تُؤكل فيها كرامة الإنسان على مائدة التعليقات، ثم يخرج الجالسون وهم يظنون أنهم مارسوا حرية التعبير.
ما يحدث في كثير من المنصات ليس بحثًا عن حقيقة، بل افتراسٌ للإنسان باسم الحقيقة. تُترك الفكرة جانبًا، ويبدأ التفتيش في الشخص؛ صورته، صوته، ملامحه، أهله، حتى تبدو الشاشة كأنها ساحة عامة تُعلّق فيها كرامة الناس على حبل التعليقات.
ولأن الضمير غائب، صار القطيع أسرع من الحقيقة. ينتشر الحكم قبل الدليل، وترتفع الشتيمة، وتُدفن الكرامة.
أقبح أنواع القسوة تلك التي تلبس ثوب الفضيلة. شخص يطعن باسم الدين، وآخر يشتم باسم الوطن، وثالث يفضح باسم الشفافية، ورابع يمارس الحقد باسم الغيرة على المصلحة العامة. كلهم يحملون لافتات نظيفة، لكن أيديهم ملطخة بوحل لا تغسله الشعارات.
السوشال ميديا كشفت الوجوه على حقيقتها؛ كشفت من كان ينتظر سقطة غيره ليتوهم أنه أعلى شأنًا، ومن عجز عن بناء نفسه فاختار هدم الآخرين، ومن يغلّف الحسد بالنصيحة، ويخفي الجبن خلف اسم مستعار.
لم تعد الأزمة أزمة تعليقات فقط؛ إنها أزمة أخلاق، وأزمة تربية. لقد تحولت السوشال ميديا إلى محكمة بلا قاضٍ، وسجن بلا قانون، ومقصلة بلا دم، لكنها تترك جرحًا أعمق من الدم. ويا لبؤس الإنسان حين يظن أن ضحكةً على سقوط غيره سترفعه، وأن تشويه الآخرين سيجعله أنظف، وأن عدد المشاركات يمكن أن يبرئ قلبًا متعفنًا.
العالم اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الحسابات، بل إلى مزيد من الحياء. لا يحتاج إلى أصابع أسرع، بل إلى قلوب أقل قسوة.
لا يحتاج إلى منشورات أكثر، بل إلى بشر يتذكرون أن خلف كل اسم إنسانًا، وخلف كل صورة بيتًا، وخلف كل خطأ فرصة للتصحيح لا حفرة للرجم.
أما الذين لا يشعرون بوخز الضمير بعد الإيذاء، فمشكلتهم ليست في السوشال ميديا. مشكلتهم أعمق؛ لقد صار القلب عندهم مجرد تطبيق محذوف، والرحمة إشعارًا قديمًا لم يفتحوه منذ زمن.
وستظل الشاشة شاهدةً على أفعالهم:
ليس كل من كتب كان صاحب رأي؛ بعضهم لم يكن أكثر من ثرثرالٍ رقميٍّ، جرذٍ ارتدى رتبةً وهمية، يخرج من جحره ليقرض كرامة الوطن، ثم يعود إلى عتمته منتشيًا بوسخه.