لست طعّانًا ولا لعّانًا، ولا ممن يطاردون كل ناعق في الفضاء الرقمي؛ فالصراخ كثير، والذباب أكثر، وليس من الحكمة أن يحمل المرء مضربًا خلف كل ذبابة توهّمت أن طنينها موقف.
لكن طفح الكيل؛ طفح من صفحات امتهنت العبث، واستسهلت الكذب، واتخذت من المصادر الخاصة سردابًا تُهرّب عبره ما تشاء من ظنون، ثم تضع فوقها شعارًا ملوّنًا، وتطلب من الناس أن يتعاملوا مع التخمين كما لو أنه محضر دولة.
فخذوها مني كلمات لا تهادن ولا تجامل؛ كلمات تنتصر للوطن وقيادته ولقاماته الوطنية الشريفة.
حين يصبح الأردن هدفًا، وقيادته مادة لحملات التشويه، وقامات وطنية عالية المقام، رفيعة الخلق والسيرة، تُسحب إلى مستنقع منشورات رخيصة لتقف بجوار شخصيات نكرة، فلا فضيلة في الصمت، ولا بطولة في المجاملة. ومن يقترب من مقام الوطن بالكذب، فليتحمل لسعة الحقيقة.
ليست كل صفحة على فيسبوك منبرًا، ولا كل من وضع شعارًا صار صاحب رسالة؛ فبعض الصفحات ليست أكثر من ذبابة إلكترونية ارتدت ربطة عنق، وجلست خلف لوحة مفاتيح، وقررت أن تسمّي طنينها خبرًا. وهذا، في تقديري، هو النموذج الذي تقدمه صفحة تحمل اسم نشمي عنوانًا؛ صفحة تذكّرنا بصفحات من طراز ريما الحندئه، بالنموذج ذاته والأدوات ذاتها: رواية بلا وثيقة، ومصدر بلا اسم، واستنتاج بلا دليل، ثم أسماء كبيرة تُلقى في الحكاية لتمنحها وزنًا لا تملكه، ويأتي سرب من الحسابات ليكررها حتى يتوهم صاحب الصفحة أن كثرة الترديد شهادة على صحة ما نشر.
والأخطر أن هذا النمط يفتح باب السؤال على مصراعيه؛ فعندما تتكرر الرسائل، وتتقاطع الروايات، ويصبح الأردن وقيادته ومؤسساته هدفًا ثابتًا، فإننا لا نعود أمام بوست فيسبوك عابر، بل أمام أداء يشبه أدوات التضليل الرقمي وغرف التأثير والحرب النفسية. وهنا يحضر اسم الوحدة 8200 في الذهن؛ فالتشابه في الأدوات، وصناعة الرواية، وتدويرها عبر الحسابات، واستهداف الثقة بالمؤسسات، يفرض السؤال ولا يسمح بتجاهله. فبعض التشابه لا يحتاج إلى خيال واسع لكي يُرى.
ثم تأتي الحيلة الأكثر بؤسًا: الزج بشخصيات نكرة إلى جوار قامات وطنية صاحبة خلق وسيرة وحضور، وكأن وضع الاسمين في صورة واحدة يستطيع أن يساوي بين المقامات. لا يا سادة؛ إذا وضعتم نكرة إلى جوار قامة، فلن تكبر النكرة، بل ستفضحون فقط مقدار حاجتها إلى اسم القامة كي يلتفت إليها أحد.
وهذه هي اللعبة ببساطة: يؤخذ اسم كبير، ويُلصق بحكاية صغيرة، وتوضع صورة رسمية في الخلفية، وتُكتب كلمة مصادر، ثم تُفتح نافذة المزرعة، ويُترك السرب ليتولى الباقي. فالذبابة لا تستطيع حمل جبل، لكنها تستطيع أن تطن حوله طويلًا، ثم تتوهم من شدة دورانها أن الجبل هو الذي يدور حولها.
أما القامات العالية مقامًا، الرفيعة خلقًا، فلا تحتاج إلى أن تنزل من مقامها لتخوض مهاترة مع حسابات تعيش على الفتات الإلكتروني. وهنا يقع أصحاب هذه الصفحات في وهم مضحك؛ ينشرون فلا يأتيهم الرد، فيصرخون أكثر، ثم يفسرون الصمت على أنه خوف، ولا يخطر ببالهم أن هناك فرقًا شاسعًا بين تجاهل من له شأن، وتجاوز من لا يستحق عناء الالتفات. فالأسد لا يصدر بيانًا كلما طنت ذبابة قرب أذنه.
أما المصادر التي تتكئ عليها الصفحة، فقد أصبحت كالكائنات الأسطورية؛ مصادر قالت، ومصادر أكدت، ومصادر تعتقد، ومصادر ترجح، ومصادر تتوقع، فيما المصدر نفسه لا اسم له، ولا وجه، ولا وثيقة، ولا أثر.
يبدأ الذباب الإلكتروني عمله؛ حساب ينسخ، وآخر يصفق، وثالث يضيف بهارًا، ورابع يرفع سقف الكذبة قليلًا. وبعد أن تمتلئ المزرعة بالطنين، يعود صاحب الصفحة متباهيًا ليقول إن الرأي العام يتداول. وأي رأي عام هذا؟ أنت صنعت الطنين، ثم استشهدت بالذباب على أن السماء ترعد.
هذه ليست صناعة رأي عام، بل مزرعة ذباب إلكتروني؛ فيها الذبابة مراسلة ومحللة وشاهدة، ثم تجتمع الذبابات مساءً لتؤكد بعضها لبعض أن الخبر صحيح.
إن من يستهدف الدولة وقيادتها بإشاعة، ثم يختبئ خلف شاشة ومصدر مجهول وسرب من الحسابات، لا يطلب منا أن نسمي ما يفعله خبرًا. سمّوه ما شئتم: صراخًا، أو تضليلًا، أو طنينًا إلكترونيًا، لكن لا تهينوا الخبر فتسمّوه خبرًا.
أما القامات الوطنية التي يحاولون جرّها إلى ترهاتهم، العالية مقامًا، الرفيعة خلقًا، والمشهود لها بحسن السيرة، فستبقى فوق، عالية، ويظل الذباب في مكانه الطبيعي، يطن في الأسفل.
سيبقى فيصل بتّارًا في وجه كل من يهاجم الوطن وقيادته، وستبقى زينة شمسًا تشرق بأخلاقها، لا يحجب نورها غبار، ولا تطال مقامها أكاذيب العابرين.