وكالة الرقيب الدولي الإخبارية
أقلام وآراء

المحامي محمد المراشده يكتب: حين تصبح الجريمة أذكى من الحدود

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية مرتبطة بالمختبرات أو الشركات الرقمية، بل أصبح جزءًا من الحياة اليومية ومن البنية الأساسية للاقتصاد والإعلام والأمن. ومع الانتشار السريع لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، ظهرت مخاوف متزايدة من إمكانية استغلال هذ

شاركWhatsAppFacebookX
المحامي محمد المراشده يكتب: حين تصبح الجريمة أذكى من الحدود


بقلم : المحامي محمد المراشده * - 

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية مرتبطة بالمختبرات أو الشركات الرقمية، بل أصبح جزءًا من الحياة اليومية ومن البنية الأساسية للاقتصاد والإعلام والأمن. ومع الانتشار السريع لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، ظهرت مخاوف متزايدة من إمكانية استغلال هذه التكنولوجيا في ارتكاب جرائم تتجاوز الحدود للدول، الأمر الذي يضع أجهزة الأمن والقضاء والتعاون الدولي أمام تحديات جديدة وجادة غير مسبوقة. قد تكمن خطورة الذكاء الاصطناعي في قدرته على تنفيذ بعض المهام بسرعة وعلى نطاق واسع، بما في ذلك إنتاج النصوص والصور والأصوات ومقاطع الفيديو الاصطناعية. وفي الوقت ذاته توفر فيه هذه القدرات فرصًا مهمة وجادة في مجالات التعليم والصحة والاقتصاد، يمكن للمجرمين استغلال الأدوات نفسها لتطوير أساليب أكثر تشابكًا وغموضًا في الاحتيال والتضليل وانتحال الهوية واغتيال الشخصيات على كافة المستويات والأصعدة العسكرية أو السياسية أو الاقتصادية وغيرها. قد يمكن تناول تقنية التزييف العميق Deepfake، كمثال يمكن أن يعد من أبرز الأمثلة على ذلك. حيث تسمح هذا التقنية بإنشاء صور أو تسجيلات صوتية ومرئية تبدو حقيقية إلى حد كبير، ذلك بهدف الحصول على الأموال أو المعلومات السرية أو التأثير في الضحية أو نشر الفوضى والتأثير في الرأي العام.

لا يستبعد أيضًا أن تزداد خطورة هذه الممارسات عندما يكون الجاني في دولة والضحية في دولة أخرى، بينما تتواجد الخوادم أو الشركات التقنية المستخدمة في دولة ثالثة. من هنا يمكن أن تتحول الجريمة الرقمية إلى قضية دولية شائكة قد يصعب التعامل معها من خلال التشريعات الوطنية وحدها. من جانب آخر، قد يعد الاحتيال المالي من أبرز المجالات التي يمكن أن تتأثر بتطور الذكاء الاصطناعي. فالأدوات التوليدية يمكن أن تتمكن من إنتاج رسائل أكثر إقناعًا وتتقمص أساليب الكتابة البشرية، حيث يمكن لبعض التقنيات تقليد الأصوات أو إنشاء شخصيات وصور مزيفة لاستخدامها في عمليات الخداع. الأمر الذي قد يؤدي إلى ظهور عمليات احتيال منظمة تستهدف أعدادًا كبيرة من الضحايا في دول مختلفة وفي ذات الساعة والدقيقة والثانية وحتى اللحظة. وفي ذات السياق قد يصل الأمر إلى استغلال الترجمة الآلية والقدرة على إنتاج المحتوى بلغات متعددة لتوسيع نطاق الجرائم الإلكترونية، بعدما كانت الاختلافات اللغوية تشكل مانعًا يحد من ظهور مثل تلك الشبكات الإجرامية.

لا يستغرب ألا يعني ذلك، أن الذكاء الاصطناعي قد يرتكب الجريمة بنفسه، وإنما يمكن أن تكمن الإشكالية في الأساس حول مدى قدرة الإنسان على توظيفه وتطويعه واستغلاله كأداة لزيادة سرعة وفاعلية ودقة وأعداد الجرائم وحجمها للوصول إلى الضحايا. وقد لا يقتصر الخطر فقط على استحداث أشكال جديدة وعديدة من الجرائم الاقتصادية والمالية. حيث إن المحتوى المصطنع يمكن أن يتحول إلى وسيلة لنشر المعلومات المضللة أو تشويه السمعة أو الابتزاز. وقد يصبح التمييز بين المحتوى الحقيقي والمحتوى المولد بواسطة الذكاء الاصطناعي أكثر صعوبة مع تطور مثل هذه التقنيات. ففي السياقات الدولية الحساسة، يمكن أن تكون العواقب والتبعات تثير مخاوف وإشكاليات أكثر خطورة وتهديدًا. ببساطة لأن تداول تسجيل مزيف ومفبرك لشخصية سياسية أو عسكرية مرموقة وتحظى بمتابعة واهتمام نطاق واسع من الأشخاص، لا يستبعد أن يؤدي إلى إثارة اضطرابات واسعة ومؤثرة مما يقود إلى فوضى قد يصعب السيطرة عليها، ومن هنا يمكن أن تظهر أهمية خاصيات التحقق الرقمي ودور وسائل الإعلام المهنية، إذ لم يعد السؤال الصحفي مقتصرًا على ماذا حدث؟، بل بات يتمحور حول، هل الصورة أو الصوت أو الفيديو الذي يوثق الحدث حقيقي أصلًا؟.

بعد أن تم استعراض مجموعة من أنماط الجرائم العابرة للحدود التي يمكن أن تسهم بشكل مباشر أو غير مباشر في حدوث جرائم دولية من حيث النتيجة لا الأثر، كان لا بد أيضًا من تناول موضوع في غاية الأهمية ألا وهو الأمن السيبراني. ففي حال افترضنا أن الذكاء الاصطناعي هو الداء فالأمن السيبراني هو الدواء، وإذا افترضنا أن الذكاء الاصطناعي هو وسيلة الهجوم فالأمن السيبراني هو وسيلة الدفاع، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه يمكن للأمن السيبراني أن يستحدث آليات ذكية تعمل بخوارزميات نبيلة تكافح وقوع الجرائم التقنية وتعمل على رصدها وتحليلها وتتنبأ بحدوثها وتتخذ تدابير احترازية ووقائية تمنع وترصد وتستشعر الجريمة قبل حدوثها أو في مراحل مبكرة منها، حيث إن الجرائم التقنية تتسم بالخبث والتخفي بصورة خفيفة قد يصعب على البشر الشعور بها أو ترجمة خطورتها في أوقات مبكرة، مما قد يفتح الباب أمام العالم اليوم لظهور مجالًا جديدًا قد يثير المخاوف والقلق. فإذا كان الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد المدافعين على اكتشاف التهديدات وتحليل كميات هائلة من البيانات، لكنه في ذات الوقت وفي المقابل قد يساعد المهاجمين أيضًا على تسريع بعض مراحل الهجمات الإلكترونية أو إعداد رسائل أكثر إقناعًا. هذا من جهة ومن أخرى قد تزداد حساسية القضية عندما تستهدف الهجمات مؤسسات تعمل في قطاعات حيوية مثل المصارف والطاقة والاتصالات والمستشفيات. حيث إن الهجوم الذي يبدأ من جهاز في دولة ما يمكن أن تمتد آثاره إلى مؤسسات ومواطنين في عدة دول أخرى، الأمر الذي يبرز وبشكل واضح مدى أهمية وضرورة التعاون الدولي بشكل جاد.

كما يمكن أن يطرح استخدام الذكاء الاصطناعي في النشاط الإجرامي سؤالًا قانونيًّا هامًّا ومعقدًا في ذات الوقت يتمحور ويتبلور حول المسؤولية الجنائية. فإذا افترضنا أن شخصًا ما قام باستخدام نظامًا ذكيًّا لارتكاب جريمة، ففي هذه الحالة وبعد الأخذ بعين الاعتبار خصوصية وحساسية الإسناد في المسؤولية الجنائية والتي ترتبط دائمًا بطبيعة الفعل ودور الشخص ومدى مقدار إسهامه في استخدام تلك التقنية موضوع الجريمة. مما قد يطرح إشكالية على طاولة الحوار القانوني والتي يمكن أن تتمثل بالسؤال التالي، إذا كانت تقنيات الذكاء الاصطناعي وخصوصًا تلك التي تعمل بخاصية التشغيل الذاتي المزودة بخاصية اتخاذ القرارات المنفردة، قامت باتخاذ قرار نتج عنه حدوث جريمة، ففي هذه الحالة يحتمل أن تصبح القضية أكثر غموضًا حيث إنها تتطلب البحث في مدى إمكانية إسناد المسؤولية الجنائية لكل من المطورين والقائمين على المنصات والشركات التي توفر الأنظمة، أو القادة العسكريين والسياسيين خصوصًا في النزاعات المسلحة. حيث إن المسؤولية الجنائية الدولية تنصب فقط على الأشخاص الطبيعيين الأمر الذي يقود إلى عدم إمكانية محاسبة الآلة أو الأداة التي قامت باتخاذ القرار. من جهة أخرى قد تظهر أيضًا بعض التحديات القانونية الأخرى والتي تتمحور حول أحقية الاختصاص القضائي والذي يطرح تساؤلات تتمثل بمن هي الدولة التي يحق لها التحقيق والمحاكمة عندما يكون المتهم والضحية والخادم الإلكتروني في دولة مختلفة؟ وكيف يمكن جمع الأدلة الرقمية وحفظها وتبادلها بصورة قانونية بين السلطات؟ هذه التساؤلات قد تكشف أن مواجهة الجرائم المدعومة بالذكاء الاصطناعي تحتاج إلى تعاون قضائي وأمني عابر للحدود، وإلى تحديث التشريعات بما يتناسب مع السرعة التي تتطور بها التكنولوجيا.

ورغم المخاوف، فإن تصوير الذكاء الاصطناعي باعتباره مصدرًا للجريمة في حد ذاته قد يكون مبالغة. لأن التكنولوجيا نفسها يمكن استخدامها في الاتجاه المعاكس مثل تحليل الأدلة الرقمية، ورصد الأنشطة المشبوهة، ومساعدة المؤسسات على حماية أنظمتها. لذلك قد تكمن المعركة الحقيقية في كيفية استخدام التكنولوجيا وتنظيمها. فكلما تطورت قدرات المجرمين، تطورت في المقابل أدوات أجهزة الأمن والمتخصصين في الأمن السيبراني والتحقيق الرقمي. يبدو أن العالم اليوم أمام سباق متسارع بين الابتكار التكنولوجي وقدرة التشريعات والمؤسسات الأمنية على مواكبته. حيث إن الذكاء الاصطناعي قد لا يعترف بالحدود الجغرافية التي تقبع فيها القوانين الوطنية، بينما قد تحتاج التحقيقات الجنائية الدولية إلى إجراءات قانونية وتعاون بين عدة جهات ودول. ولهذا فإن مواجهة الخطر يمكن أن لا تتطلب حظر الذكاء الاصطناعي، بقدر ما تتطلب بناء منظومة متكاملة تشمل قوانين حديثة، وتعاونًا دوليًّا فعالًا، وتطوير وسائل التحقق من المحتوى الرقمي، وتعزيز الأمن السيبراني، ونشر الوعي لدى المواطنين حول أساليب الاحتيال والتزييف الجديدة. في النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم هو، هل الذكاء الاصطناعي سيغير عالم الجريمة، الجواب لقد بدأ هذا التغيير بالفعل. أما السؤال الأهم والأكثر إلحاحًا هو، هل تستطيع التشريعات الدولية والوطنية والمؤسسات الدولية، أن تواكب تطورات التقنيات الحديثة، قبل أن تصبح الحدود التقليدية عاجزة عن مواجهة جريمة تتحرك في العالم الرقمي خلال ثوانٍ؟.

محامي وباحث دكتوراه في مجال القانون الجنائي الدولي وجرائم الامن السيبراني.

أخبار ذات صلة