وكالة الرقيب الدولي الإخبارية
https://stage.alraqeb.net/news/90/%D8%A7%D9%84%D8%B2%D9%85%D9%8A%D9%84-%D8%AF%D9%85%D8%B9%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B4%D8%AF%D9%87-%D9%8A%D9%83%D8%AA%D8%A8-%D9%85%D9%86-%D8%B0%D8%A7%D9%83%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D9%81%D9%88%D9%84%D8%A9-%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%AD%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B1%D9%88%D8%B2-%D9%88%D8%B1%D8%A3%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%8A%D9%86-%D9%88%D9%85%D8%B7%D8%B9%D9%85
الزميل د.معين المراشده يكتب: من ذاكرة الطفولة "عمان" في حارة الدروز ورأس العين ومطعم "العبده"
الرقيب الدولي - عمان - بقلم : د.معين المراشده - قليلون هم الذين يعرفون أنني ابن عمان القديمة،ولدت ونشأتُ وترعرعتُ في واحد من اشهر احياءها ،منذ ولدت في عام 1961 وحتى عودتنا الى قريتي سوم الى الغرب من مدينة اربد بداية عام 1969بعد أن تقاعد

الرقيب الدولي - عمان - بقلم : د.معين المراشده - قليلون هم الذين يعرفون أنني ابن عمان القديمة،ولدت ونشأتُ وترعرعتُ في واحد من اشهر احياءها ،منذ ولدت في عام 1961 وحتى عودتنا الى قريتي سوم الى الغرب من مدينة اربد بداية عام 1969بعد أن تقاعد والدي رحمه الله من الخدمة في القوات المسلحة الاردنية "الجيش العربي" حيث كان يخدم في مرتب القيادة العامة والتي مقرها عمان منذ ان التحق في صفوف الجيش عام 1949 مما اضطره للسكن في العاصمة ليكون قريبا من مكان خدمته ،نعم هناك في حارة الدروز في رأس العين ذلك الحي العادي الذي كان فيه البقال ابو"عزيزة" وبائع الخضارالمتجول ابو" سالم"...وصيفا وشتاء ابو"محمود " يجر بفرس"كديش" شقراء صهريجا صغيرا لبيع الكاز والسولار حيث كان معظم الناس مازالوا يستخدمون بابور الكاز لطهي طعامهم وكان يستخدم جرسا يدويا لتنبيه اهل الحارة بوصوله وأما " ابو قاسم"فهو ،كان يبيع كرابيج الحلب وحلاوة السميد "الكريزة" والقشطة بالعسل "المهلبية" والعنبر متجولا في الحارة عصر كل يوم يجر عربة اعتلاها صندوق زجاجي يحتوي بداخله كل ذلك..وفرن "ابوخليل " الحجري على يمين الدرج ومنظر "جرار" الفول بجانب بعضها البعض وتحتها جمّر الفحم والتي كان يرسلها "الفوالة" مساء كي تنضج بهدوء مع اقتراب الفجر واما مطعم "العبدة " مازلت اتذكر جيدا لذة فوله ومدمسه وفلافله الشهية.
ولطالما رسمتُ أحلامي الصغيرة على جدرانِ ذلك الحي حيثُ كنت وابناءُ الجيران نتسابق على تطيير الطائرات الورقية التي تملأ سماء المكان.فيما كان المرحوم " أبوصالح الشوعاني" الذي كان يفترش الرصيف امام منزله عصر كل يوم خاصة في فصلي الربيع والصيف يدعونا للجلوس حوله للاستماع من مذياعه الى اعادة لبرنامج "مضافة ابو محمود" الذي كان يتمتع وقت ذاك بجماهيرية وشهرة واسعة وهو من بنات افكار الشهيد وصفي التل واشراف وتقديم الاعلامي الشهير المرحوم الحاج مازن القبج يشاركه فيه مجموعة من رواد الدراما الاردنية امثال نبيل المشيني ..وهي المضافة التي بدات مع انطلاق الاذاعة الأردنية، وجمعت حولها جمهورا عريضا من الأردنيين، في المدينة والريف والبادية، قبل أن يتحول اسمها إلى "مضافة الحاج مازن"، وتنتقل بعد ذلك من الاذاعة إلى التلفزيون.
الجيل الذي رافق جلسات تلك المضافة، وقع في "غرام" اصحابها، وتصرف كأنه يعرفهم عن قرب، بسبب العفوية والبساطة التي خاطبوا من خلالها الجمهور، وهي المضافة التي ناقشت على مدار سنوات طويلة مشاكل الناس وهمومهم، وانحازت لقضاياهم الإنسانية.
ولعلَ درج رأس العين ونبعها وسيلها والمدرسة العباسية وصبرات الدروز التي ازيلت لاحقا ومنزل المرحوم "نزال العرموطي " وفرسه الشقراء وكذلك بيوتات الجيران "ابوصايل الدويري" و"ابوفايز الكسواني" و "ابو زياد المكاحلة" و" ابواحمد الشرطي" و "ابوحسين حمدان" قد احتلتْ الجزء الاكبر من طفولتي وذاكرتي في الستينيات ، لم تنسيني اياها الأربعون التي تلتها، فكلما مررتُ بدرج راس العين تذكرت تلك العثرة قبل يوم واحد من اندلاع حرب حزيران عام 1967 وكنت في السادسة من عمري والتي أدت الى تدحرجي نزولا فوق عدة درجات أصابتني بخدوش وجروح بسيطة في كوع يدي اليمنى وكذلك ركبتيّ ، لكن تلك العثرة وتلك الجروح والخدوش لم تمنعاني من النهوض ثانية ومواصلة نزول الدرج مسرعا قاصدا بقالة عمرفي الجهة المقابلة للدرج على سفح جبل النظيف لشراء مادة "النيلة " الزرقاء لطلاء زجاج النوافذ التي أوصى والدي بتنفيذها فورا وحالا وهو يودعنا مرتديا زي الميدان العسكري وذلك حتى لايتسرب النور منها ليلا وفي ذلك وحسب ماسمعته من والدي تمويه على طائرات العدو التي لن تستطيع تحديد أهدافها في ظل الظلام الدامس ، وبالفعل تمكنت ورغم تلك العثرة من شراء "النيلة " والعودة الى المنزل مسرعا ،وصعدت الدرج جريا وادركت والدي قبل مغادرته الى القيادة العامة للقوات المسلحة وودعنا وخرج وهو يقول لوالدتي : لا أدري متى أعود اليكم ..الحرب على الأبواب وقد تندلع في اي لحظة ، وبعد خروجه انجزت الوالدة طلاء زجاج النوافذ بمادة النيلة على عجل، لكننا في ليلة ذلك اليوم لم نتمكن من النوم وبقينا سهرانين نرقب ماسيحدث ، وبالفعل ومع بزوغ فجر تلك الليلة اندلعت الحرب مااستدعى انتقالنا فورا الى غرفة سفلية كنا نستعملها مستودعا ، لانها أكثر أمنا وأمانا وكنا اربعة أشقاء وشقيقتين بالاضافة الى الوالدة ، كان اكبرنا في العاشرة من عمره وأصغرنا شقيقة في الثانية من عمرها وبقينا على هذه الحال حتى انتهت الحرب ، والوسييلة الوحيدة لمعرفة مايجري هو المذياع التي كانت والدتي تستمع اليه طيلة الوقت، ومازالت صرختها التي ايقظتني من نومي فزعا - ياحسرة، ياخسارة ، ضاعت الضفة ، سقطت القدس -تتردد في اذني وتسكن ذاكرتي عاما بعد عام ومازلنا نردد جميعا ياحسرة ياخسارة.




