بسام ابو ارميله يكتب : هل يمكن مسآءلة الإدارة قانونا عن أعمالها في ظل تطبيق قانون الدفاع في الأردن ؟
الدكتور بسام ابو ارميله * - تقوم الإدارة - سواء في ظل الظروف العادية أو الاستثنائية - بنوعين من الأعمال : أعمال قانونية وأخرى مادية. فهل تتحمل

الدكتور بسام ابو ارميله * -
سنداً للمادة 124 من الدستور الأردني والتي نصت صراحةً على صدور قانون باسم قانون الدفاع يخول فيه رئيس الوزراء بإرادة ملكية صلاحية اتخاذ كافة التدابير والاجراءات الضرورية لمواجهة أي حالة أو وضع طارئ ، وبناءً على انتشار وباء كورونا في الأردن وأثره الخطير على الصحة العامة ، فقد تم الإعلان عن العمل بقانون الدفاع في جميع أنحاء المملكة الأردنية الهاشمية اعتباراً من تاريخ 17/3/2020 وذلك بمقتضى المادة الثانية منه والتي تنص على أنه " في حال انتشار آفة أو وباء يعلق العمل بالقانون بإرادة ملكية تصدر بناءً على قرار من مجلس الوزراء".
وعلى إثر ذلك صدرت أوامر الدفاع متضمنة وضع قيود على ممارسة الحقوق والحريات العامة للأفراد كحرية التنقل والإقامة وإلقاء القبض على المشتبه بهم أو الخطرين على الأمن الوطني والنظام العام واعتقالهم ووضع اليد على الأموال المنقولة وغير المنقولة ومنع ممارسة حرية التجارة وتنظيم عملها إلى غير ذلك من القيود المفروضة على الأنشطة العامة للأفراد.
وإذا كان قانون الدفاع قد أرسى مبدأ المسؤولية القانونية على كل من يخالف أوامر الدفاع بالحبس أو الغرامة أو بكلتا العقوبتين ، فهل يمكن إيقاع مسؤولية الإدارة قانونا عما تحدثه من أضرار خلال قيامها بأعمالها في فترة إعلان حالة الطوارئ ؟
أولا: إرساء مبدأ المسؤولية الإدارية في التشريعات الوطنية :بالنظر إلى نصوص الدستور نجد أنه أرسى مبدأ مسؤولية السلطة التنفيذية عن أعمالها وذلك بموجب المادة 45 منه والتي نصت على أن " يتولى مجلس الوزراء مسؤولية إدارة جميع شؤون الدولة الداخلية والخارجية ..."، كما أرسى قانون الدفاع ذات المبدأ في المادة 9 منه بالقول : "... ولكل من اتخذ بحقه أي إجراء بموجب هذا القانون أو أي أمر أو تكليف صادر بمقتضاه الحق بالتعويض ... على أن يكون للمتضرر في حال عدم موافقته على القيمة المقررة للتعويض الحق بإقامة الدعوى لدى المحكمة المختصة للمطالبة بالتعويض العادل المترتب له.."، مع أحقية أي شخص أن يطعن بإلغاء أي قرار أو أمر صادر بموجب هذا القانون أمام محكمة العدل العليا (المحكمة الإدارية حاليا) (المادة 8/أ من قانون الدفاع)
وإذا كان الدستور والتشريعات العادية والاستثنائية قد أرست مبدأ المسؤولية عن أعمال السلطة التنفيذية إلا أنها لم توضح طبيعة هذه المسؤولية ونوعها وشروط تطبيقها. وعليه فإن الأمر يعود للقضاء الإداري الأردني في توضيح معالم تلك المسؤولية وبيان موقفه منها باعتبارها من أسس ترسيخ مبدأ سيادة القانون في الدولة القانونية.
ثانيا: إرساء المسؤولية الإدارية على أساس الخطأ عن أعمالها القانونية في القضاء الإداري الأردني :
تنقسم منظومة الأعمال القانونية للإدارة الى قسمين : قرارات إدارية وعقود إدارية.
ويختص القضاء الإداري الأردني بالنظر في الطعون المتعلقة بالقرارات الإدارية إلغاءً وتعويضاً، في حين يخرج عن دائرة اختصاصه الطعون المتعلقة بمنازعات العقود الإدارية باستثناء القرارات القابلة للانفصال عنها والتي تندرج ضمن النظام القانوني للقرارات الإدارية العادية.
وبالرجوع إلى أحكام القضاء الإداري الأردني نجد أنها استقرت على الأخذ بالمسؤولية الإدارية على أساس الخطأ ، والتي تستوجب في ظل إعلان حالة الطوارئ وتفعيل قانون الدفاع ما يلي :
1- وجود خطأ من جانب الإدارة : ويتمثل هذا الخطأ بصدور قرار غير مشروع (فردي أو تنظيمي) بأن شابه وجه من وجوه عدم المشروعية كعيب مخالفة الشكل والاختصاص ومخالفة القانون والسبب والانحراف. هذا في الظروف العادية ، أما في الظروف الاستثنائية الطارئة كالظرف الوبائي الحالي ونظراً لما يتطلبه الأمر من سرعة اتخاذ التدابير والإجراءات الضرورية لمواجهته ولما تتمتع به الإدارة المختصة من صلاحيات تقديرية واسعة في هذا المجال ، فلا تخضع لقواعد المشروعية الإدارية باستثناء ركني الغاية والسبب اللذان يجب التقيد بهما في كافة القرارات الإدارية بغض النظر عن طبيعة الظرف السائد.
ويشترط في هذا الصدد أن لا يكون مجلس الوزراء – باعتباره السلطة المختصة بإصدار أوامر الدفاع – قد أساء استعمال سلطته أو خرج عن قاعدة تخصيص الأهداف المحددة قانونا بهدف الصحة العامة متبوعاً بأهداف أخرى شخصية أو مالية أو انتقامية أو أي هدف لا يصبو لتحقيق الصحة العامة المحدد في قانون الصحة العامة إزاء مجلس الوزراء في حال حدوث آفة أو وباء يهدد الصحة العامة والسلامة العامة وإلا كان قراره غير مشروع وعرضة للإلغاء فضلا عن وجود الظرف الوبائي وقت صدور القرار أو أنه على وشك الوقوع حتما.
ووفقا للقاعدة القضائية المستقرة في فرنسا ومصر والأردن بأن " القضاء بالتعويض ليس من مستلزمات قضاء الإلغاء"، فقد استقر اجتهاد القضاء الإداري الأردني، على أن الأصل هو عدم قيام مسؤولية الإدارة بالتعويض فيما إذا كان القرار مشوبا بعيب في الاختصاص او في الشكل ما لم يكن العيب مؤثرا في موضوع القرار وجوهره ، لان العيب في الشكل او الاختصاص الذي يؤدي الى إلغاء القرار الإداري لا يصلح حتما وبالضرورة أساسا للتعويض إلا إذا أثر في محل القرار وموضوعه بصورة تلحق ضرر بالمعني بالقرار، وذلك بخلاف أوجه عدم المشروعية الأخرى كعيب مخالفة القانون وعيب السبب وعيب الانحراف.
(مجموعة المبادئ القانونية، عدل عليا أردنية، المبدأ رقم 37/1994، ص 788)
2- حصول ضرر لأحد الأفراد أو لمجموعة منهم : ويستوي في ذلك الضرر المادي والمعنوي وهو كل أذى يصيب الإنسان في جسده أو خسارة في ماله أو إهانة لكرامته. فيعد عنصر الضرر لازما لقيام مسؤولية الإدارة بالتعويض سواء في ظل الظروف العادية أو غير العادية، فلا يتصور قيام المسؤولية الإدارية دون وقوع ضرر حتى لو توافر عنصر الخطأ في القرار الإداري أي كان غير مشروع. وبذا فإننا نتفق مع أحكام القانون المدني - والمستندة الى أحكام الفقه الإسلامي – بتأسيس المسؤولية المدنية بالتعويض على أساس الفعل الضار، فهو مناط التعويض في حقيقة الأمر. وعلة ذلك هو قصور فكرة الخطأ عن إنصاف المتضررين من ازدياد مخاطر أعمال الإدارة المشروعة لعدم وجود هذا الخطأ.
وعليه نناشد القضاء الإداري الأردني الأخذ بموقف نظيره المدني بتأسيس مسؤولية الإدارة على أساس الضرر لاسيما إذا كان جسيما بحيث يلحق أضرارا فادحة بالأفراد أو تأسيسها على أساس المخاطر أو على أساس مبدأ المساواة أمام الأعباء العامة دون الالتفات الى أي اعتبارات مالية او اقتصادية في هذا الشأن، فقيام دولة القانون وإرساء مبادئ العدالة في المجتمع يفوق كل اعتبار. هذا فضلا عن أن تأسيس مسؤولية الإدارة بدون خطأ أو على أساس فكرة المخاطر يحظى بأهمية بالغة قياساً بتأسيسها على فكرة الخطأ من أبرزها :
أ- أن فلسفة المسؤولية على أساس الخطأ تقوم على تحقيق العدالة الفردية بينما تقوم فلسفة المسؤولية على أساس المخاطر على بلوغ نقطة التوازن بين ما تحظى به الإدارة من وسائل وامتيازات تمكنها من القيام بمهامها وبين حماية حقوق الأفراد وحرياتهم غي مواجهة هذه الامتيازات، وعليه فهي تسعى لتحقيق العدالة والتضامن الاجتماعي.
ب- إن قيام مسؤولية الإدارة على أساس فكرة المخاطر لا يعني إلغاء فكرة الخطأ، بل هي مسؤولية تكميلية تسير جنبا الى جنب مع نظرية الخطأ، في حال قصور النظرية الأخيرة عن إنصاف المضرور لعدم توافر الخطأ في عمل الإدارة، فتأتي نظرية المخاطر لتسد هذا النقص والقصور في نظرية الخطأ. وهذا ما هو عليه مسلك قضاء مجلس الدولة الفرنسي (ونظيره المصري لفترة من الزمن)
3- توافر العلاقة السببية بين الخطأ والضرر : بحيث يكون الضرر ناتجاً عن القرار غير المشروع الصادر في ظل الظروف الاستثنائية الطارئة والذي قام القضاء الإداري بإلغائه لعلة عدم المشروعية.
أما إذا كان الضرر ناتجاً عن مجرد عمل مادي او إجراء تنفيذي لقرار فعندئذ ينعقد الاختصاص بالنظر في طلبات التعويض عن هذه الأضرار الى القضاء المدني.
وعلة ذلك أن المحكمة الإدارية لا تنظر بدعاوى التعويض إلا إذا رفعت تبعاً لدعوى الإلغاء وقضت المحكمة بإلغاء القرار محل الطعن. (المادة/ 5/ب من قانون القضاء الإداري) وهذا على خلاف ما كان معمولا به بمقتضى قانون محكمة العدل العليا الملغى وعلى خلاف الوضع في مصر وفرنسا.
* استاذ القانون الاداري المشارك / رئيس قسم القانون - كلية القانون / جامعة جدارا




