هليل يكتب : قراءة في مضامين قانون الدفاع وتطبيقاته
المحامي الدكتور منير علي هليل * - أولاً: جاءت جائحة فيروس كورونا (كوفيد- 19) لتهدد الأمنالوطني والسلامة العامة، فبدأت الحكومة تُفكر في تحقيق المصلحة العامة، والتي تتعلق بنظام المجتمع الأعلى وتعلو على كل مصلحة فردية، إذ يجب على جميع الأفراد مراع

المحامي الدكتور منير علي هليل * -
أولاً: جاءت جائحة فيروس كورونا (كوفيد- 19) لتهدد الأمنالوطني والسلامة العامة، فبدأت الحكومة تُفكر في تحقيق المصلحة العامة، والتي تتعلق بنظام المجتمع الأعلى وتعلو على كل مصلحة فردية، إذ يجب على جميع الأفراد مراعاة هذه المصلحة وتحقيقها، ولا يجوز لهم أن يناهضوها بأي شكل من الأشكال؛ لأن المصالح الفردية لا تقوم أمام المصلحة العامة.
وفي الوقت التي كانت تسعى فيه الدولة إلى تنظيم المصالح الفردية بموجب قوانين خاصة لحماية النظام العام، وتُطلق الحرية للفرد فيها – وهي مقيدة بحدود النظام العام – هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن الدولة كانت تقوم بشؤون تتركها للفرد وتتولى حماية الضعيف ضد القوي بل هي تحمي الضعيف ضد نفسه كما في عقود الإذعان وفي نظرية الاستغلال.
ومهما يكن من الأمر فإن النظام القانوني في الدولة يدخل في العوامل الاجتماعية والاقتصادية لخلق جيل وبيئة قادرة على تحمل كل هذه الأعباء، بهدف احترام التشريع في حدود تطبيقه سعة وضيقاً، وأن يتقيد الفرد بِنُظم دولته الأساسيةومصالحها العامة، بل وفيها ما فيها من الروابط العامة التي تنظم الأفراد بالهيئات والعامة وروابط الهيئات العامة بعضها ببعض، وهذا التنظيم ينظر فيه إلى المصلحة العامة، فلا يجوز للأفراد أن يمارسوا عمل من شأنه أن يتعارض مع المصلحة العامة تحقيقا لمصالحهم الفردية، وفي هذا تطبيق لنص المادة (4/ج) من قانون الدفاع والتي تقضي باستعمال القوة.
ثانياً: بالنظر إلى قراءة في مضامين قانون الدفاع رقم (13) لسنة1992 وتطبيقاته العملية والعلمية، فإنه جاء منبثقا من المادة (124) من الدستور الأردني وجاء في مضمونها ما يتطلع إلى الدفاع عن الوطن في حالة طوارئ، وهي ما يتم تطبيقه في المادة (2/أ) من قانون الدفاع، إذ أصبحنا بين عشية وضحاها أمام حالة طوارئ تُهدد الأمن الوطني والسلامة العامة.
ويأتي دور قانون الدفاع ليوقف العمل بأي نص أو تشريع يخالف أي حكم من أحكام قانون الدفاع (محل بحثنا) المادة (10) والمادة (3/أ) والتي تقضيان بمبدأ هو: ودون التقيد بأحكام القوانين العادية المعمول بها.
وإن المادتين (10 و 3/أ) من قانون الدفاع منسجمتين مع وضوح التعبير والصياغة القانونية وعموم اللفظ يقتضي بوقف سائر النظم القانونية في المملكة الأردنية الهاشمية. كما أنه جاء منسجما مع الدستور وغير مخالف له.
وبمتابعة البند ثانياً فإنني أُشير إلى العهدين الدوليين، العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فقد ورد فيه تعبير المادة (8/4) ما يؤدي إلى صيانة الأمنالقومي أو النظام العام أو لحماية حقوق الآخرين وحرياتهم. أما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية فنصت المادة (12/3) من على أنه لا يجوز تقييد الحقوق المذكورة أعلاه (الفقرة1) بأية قيود غير تلك التي ينص عليها القانون وتكون ضرورية لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم). وبهذا يكون قانون الدفاع جاء منسجما أيضا مع العهدين الدوليين، ولكن برأيي أنه كان يتطلب توضيح مفهوم أو تعريف الأمن القومي (خاصة في ظل إشارة الدستور الأردني إلى مصطلح الدفاع عن الوطن) وقانون الدفاع أشار إلى مصطلح الأمن القومي. وليس ببعيد عن المهتمين بمجالات القانون معرفتها.
ثالثا: الالتزامات وتأثير وباء كورونا على تنفيذها، في ظل تفعيل قانون الدفاع اعتباراً من تاريخ 17/3/2020 حيث صدور الإرادة الملكية،
وحول تنفيذ الالتزامات الناشئة بين الأفراد بعضهم بعضا بحسب أنواع العقود المترتبة أو الناشئة بينهما والواجبة التنفيذ أو العقود الناشئة بين أصحاب العمل والعمال، بغض النظر عن تلك الفترة التي ينتهي فيها العقد. فإننا نبين مايلي:
1- فمن حيث انتهاء فترة العقد فإنه وبموجب المادة (11) من قانون الدفاع فإن سريان مدة العقد تعتبر موقوفة حكما (وليس ثمة ما يستدعي تطبيق فكرة العقد الموقوف كنوع من أنواع العقود) لحين زوال السببأو الوباء الذي من شأنه تقرير العمل بموجب قانون الدفاع والأوامر الصادرة بموجبه، ويحتوي النص على ما يلي:
- تعذر تنفيذ الالتزام تماشيا مع أمر الدفاع.
- وقف مدة سريان العقد.
2- لقد أدى إعمال المادة (11) من قانون الدفاع إلىإنصاف أطراف العقد معاً (ودون تغليب مصلحة أحدالأطراف على الآخر) حيث أن الظرف الاستثنائي ليس خاصا بطرف دون الطرف الأخر.
وانطلاقا من ذلك فإن الرأي يتجه نحو قاعدتين الأولى (الغرم بالغنم) والثانية (العقد شريعة المتعاقدين)، ثم إن النظر في تطبيق القوانين العادية لا محل له هنا ومن ثم فإن تطبيق قانون الدفاع والأمر الملكي الصادر بتفعيله بسبب انتشار وباء كورونا يجعله في أضيق الحدود وليس موسعا فيه.
وعندها يثور التساؤل عن أثر تنفيذ الالتزامات العقدية بين الطرفين؟ ولقد تباينت الآراء بذلك وتعددت الأفكار، إلا أنني سوف أتناول المسألة من حيث - شدة تأثير عدم تنفيذ الالتزامعلى المستأجر- إذ أنه المتضرر في هذه الحالة – في عدم قدرته على تحقيق الربح وفتح محله التجاري وبالتالي تثور لديه مسألة عدم قدرته على دفع بدل الإيجار المترتب عليه بيد لا دخل له فيها، وهل إن إحجامه عن الدفع يجعل الغير المؤجر قادر على فسخ العقد؟ وبالرجوع إلى تطبيق القواعد السابقة (الغرم بالغنم) وهي قاعدة شرعية يمكن إبرازها هنا في هذا المقام ومؤداها تجعل المستأجر ملزم بأداء ما عليه من أجور مستحقة ثم إن هذا الوباء عالمي الانتشار (وبما أنه من عقود المنفعة فإن من ينال نفع شيء يجب أن يتحمل ضرره، كما يمكن تحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام) – وبعيداً عن العواطف فإن أهم عناصر المحل التجاري هو (الزبون) أو عنصر الاتصال بالعملاء، وهذا العنصر ليس بمقدوره أن يمارس النشاط التجاري وحركات الاستهلاك للسلع والبضائع بسبب تفعيل قانون الدفاع، ومنع حظر التجول، فالتاجر المستأجر لا يستطيع أن يوقع لومه على المؤجر وحده،
ثم ماذا لو قام المستأجر المضرور برفع دعوى التعويض على الدولة مثلاً - لا بسبب تفعيلها قانون الدفاع- وإنما لما أصابه من ضرر عدم فتح محله التجاري قياسا على الأضرار التي تصيب المزارعين أو مالكي العقارات من أضرار نتيجة إساءة الأحوالالجوية مثلا؟ بالتالي وبرأيي لا مجال للمطالبة بالتعويض عن هذه النقطة.
ج- والمطالبة بالأجور وبحسب المادة (11) من قانون الدفاع تجعل العقد موقوفا إلى المدى الذي يكون في تنفيذ العقد متعذراً ويعتبر ذلك دفاعا في أي دعوى أقيمت أو تُقام على ذلك الشخص أو أي إجراء تتخذه ضده من جراء عدم تنفيذه للعقد أو الالتزام، أما المادة (698/1) من القانون المدنيالأردني تنص على أنه:( إذا صدر عن السلطات المختصة ما يمنع الانتفاع الكلي بالمأجور دون سبب من المستأجر تنفسخ الإجارة وتسقط الأجرة من وقت المنع).
وحيث أن المادتين (3/أ و 10) من قانون الدفاع توقف العمل بالقوانين العادية فإن تطبيق المادة (698/1) من القانون المدني الأردني) لا مجال للعمل بها هنا، وبالتالي يمكن للمسـتأجر أن يتحلل من تنفيذ التزامه بترك المأجور وإخلاءه حتى يسقط عنه تنفيذ الالتزام بدفع الأجور المستحقة عليه.مع أن هذا بدوره يسبب له أضرار، لذا وتأسيساً على ما سبق فإن مصلحة المستأجر تقتضي المكوث في المحل المأجور طيلة فترة الإجارة وعدم طلب فسخه وهذا يتطلب منه تنفيذ سائر التزاماته نحو المؤجر.
د- وبتطبيق مبادئ الإنصاف والعدالة باعتبارها مصدرا استرشاديا من مصادر القانون، فإن المستأجر يستطيعالتفاوض مع المؤجر للوصول إلى حل يُرضي الطرفين بحيث يراعى فيه فترة الانقطاع أو إغلاق المحل بسبب فرض حظر التجول وفي حالة التعذر للوصول إلى اتفاق بينهما فإن اللجوء إلى المحكمة المختصة هي حق لأي طرف منهما لإقامة التوازن في ما بينهما على أن يكون قرار المحكمة قطعياً.
هــ- ويمكن أن أُشير إلى أن فترة حظر التجول هي بالكاد قصيرة وبالتالي لا يتصور أن تجعل الالتزام العقدي مرهقا أومستحيلا بحيث يهدده بخسارة فادحة، والحالة هذه كما أشرت جاز للمحكمة تبعاً للظروف وبعد الوازنة بين مصلحة الطرفين أن ترد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول حسب قواعد ومبادئ الإنصاف والعدالة. (وقد تم توضيح ذلك في البند أولاً).
رابعاً: وفي ما يتعلق بأمر العمل والعمال، فإن قانون الدفاع وسريانه هذه الفترة قد عمد إلى تعطيل كافة الأعمالوالنشاطات إلا بحسب طبيعة العمل ومقتضيات المصلحة.
ووفقا لتصنيف منظمة الصحة العالمية فإن فيروس كورونا يشكل جائحة وهو أمر يهدد الأمن الوطني والسلامة العامة وفقا لمجريات تطبيق قانون الدفاع، وإن توقف العامل عن عمله هو أمر إجباري مؤقت يزول بزوال الأثر وفي ظل حكم المادة (11) من قانون الدفاع، وإمعان النظر في عدم مقدرة الجهات ذات العلاقة عن تحديد مدة حظر التجول أصدرت أمر الدفاع رقم (6) والخاص بمنظومة العمل والعمال لتجيب على كافة الأسئلة المطروحة من قِبل أصحاب المنشآت المغلقة، وكما أن جائحة كورونا حادث فجائي أو قوة قاهرة فإن أمر السلطات العامة بالحظر هو أيضا بمثابة حادث فجائي وهذا حدث في ظل ظروف انتشار الوباء.
والجهات المسؤولة عن ذلك هي لتحصيل حق الإنسان في الرعاية الصحية والحفاظ على السلامة العامة ومنع الضرر وليس حدوث الضرر وكان الهدف الأساسي هو حماية حياةالأردنيين وصحتهم، ومعروف أن ذلك سيؤثر سلباً على حياة العمال وأصحاب العمل من جهة أخرى، خاصة أن أمر حظر التجول أصبح أمراُ حتميا، إلا أن أمر الدفاع رقم (6) قد حسم المسألة وهو أولى بالتطبيق، إذ أن سائر القوانين العادية موقوفة العمل بها، وإن أمر الدفاع الصادر بموجب المادة (124) من الدستور أصبح بمثابة نصوص قانونية تشريعية واجبة النفاذ ومنها كافة أوامر الدفاع الصادرة بعد نفاذه في تاريخ 17/3/2020،
واختم بأن قانون الدفاع أجاز وبحسب المادة (8/أ) لصاحب المصلحة أن يطعن بالأمر الصادر لدى المحكمة الإدارية والمادة (9) لكل من اتخذ بحقه أي إجراء بموجب هذا القانون أو أي أمر أو تكليف صادر بمقتضاه الحق بالتعويض، وفي حالة عدم موافقته على التعويض الحق بإقامة الدعوى لدى المحكمةالمختصة للمطالبة بالتعويض العادل المترتب وفقا لأحكام القوانين النافذة المفعول.
وبهذا قد نتوقع أن تعج المحاكم بالقضايا من ذات النوع التي تُطالب بالتعويض، وهنا نرى أن الالتزام أصبح مرهقا وأن العلاقة بين العمال وأصحاب العمل قد دأبت على الخلاف بينها، لذا فإن تفعيل أمر الدفاع رقم (6) مع الإبقاء على الحوافز التشجيعية يخفف من وطأة الأمر.
* كلية القانون - جامعة جدارا




