وكالة الرقيب الدولي الإخبارية
https://stage.alraqeb.net/news/46675/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%A8%D8%B1%D8%A9-%D9%8A%D9%83%D8%AA%D8%A8-%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D9%88%D9%8A%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A9
المعابرة يكتب : داروينية اجتماعية!
وليد معابرة - قبل الولوج إلى الكشف عن ذلك المصطلح الذي يتطلب عمقاً في التفكير، يجب التنويه أولاً عن الظاهرة الاجتماعية التي تشير إلى أَنَّ الإنسان عدوٌّ لما يجهل، فلو تأملنا فيما حدث لـ "تشارلز داروين" عندما جاء بنظرية التطوُّر، "بعد أَنَّ نضع

وليد معابرة -
قبل الولوج إلى الكشف عن ذلك المصطلح الذي يتطلب عمقاً في التفكير، يجب التنويه أولاً عن الظاهرة الاجتماعية التي تشير إلى أَنَّ الإنسان عدوٌّ لما يجهل، فلو تأملنا فيما حدث لـ "تشارلز داروين" عندما جاء بنظرية التطوُّر، "بعد أَنَّ نضع الاعتقاد بها جانبا"؛ سنجد أَنَّ جميع العلماء في عصر "داروين" قد رفضوا نظريته رفضاً تاماً، ولم يتقبلها أحد منهم؛ ولكن من جهة أخرى؛ فإنَّ جميع العلماء الذين جاؤوا في الزمن الذي يليه؛ قد تقبلوها بجميع أركانها؛ حتى باتت نظرية تُدرَّس في المؤسسات التعليمية وتُبنى عليها حقائق ونظريات علمية لغاية هذه اللحظة، وهذا يسوقنا إلى مفهوم أَنَّ هناك ظاهرة تندرج تحت مسمى "ظاهرة رفض الجيل الحالي"، التي قد تنطلق أحياناً من عدم إدراك المفاهيم الجديدة.
ولو تعمقنا قليلاً في مسألة أَنَّ "الوجود" في تغيُّرٍ دائم؛ كما جاء به عالم النفس اليوناني "هيراقليتوس" في قوله: "لا يخطو رجل في نفس النهر مرتين أبداً" ؛ سنجد أَنَّ هناك مفارقات اجتماعية تؤشر بالبنان إلى أَنَّ "الوجود" في تغيُّرٍ دائم وبشكل مستمر، باعتبار الوجود تغيراً جوهرياً كونياً، بعكس ما جاء على لسان الفيلسوف اليوناني الآخر "بارمينيدس" في تعريف مفهوم الكينونة الفلسفي، الذي كان يقول فيه: "يبقى المرء على ما يكون عليه"! لذلك؛ لا بد من الاعتراف والإقرار بأن التفكير يتغير، وأنماطه تتغير، كما تتغير طبيعة البشر، فمنهم من يتطور في مسيرته إلى الأمام، ومنهم من يعود ويتخلف عن الركب.
ما وَرَدَ سالفاً؛ لا يتقبله ويتشرب مفهومه إلا الأذكياء في العالم، أمَّا ما يُمارسه الأغبياء فهو عكس ذلك تماماً، كما جاء على لسان عالم الفيزياء "أُلبرت أينشتاين" عندما تحدث عن مسألة "صناعة الغباء"، فحسب قول الراوي: "إنه كان هناك مجموعة من العلماء؛ وضعوا خمسة قرود في قفصٍ واحد، وفي وسط القفص؛ يوجد سُلَّم، وعلى السلَّم هناك بعض الموز، في كل مرة يصعد أحد القرود ليأخذ الموز؛ يقوم العلماء حينها برش القرود جميعاً بالماء البارد، ليتمكنوا من غرس الخوف في داخلهم من أجل البقاء على الأرض وعدم الصعود لأخذ الموز مرة ثانية. بعد فترة بسيطة أصبح كلّ قردٍ يصعد للحصول على الموز يقوم الباقون بمنعه وضربه حتى لا يرشون بالماء البارد، وبعد مدة من الوقت لم يجرؤ أي قرد على صعود السلَّم لأخذ الموز؛ خوفاً من الضرب، بعدها قرر العلماء أَنَّ يقوموا بتبديل واحدٍ من القرود الخمسة، ليضعوا مكانه قرداً جديداً...، أول شيء قام به القرد الجديد؛ أنَّه صعد السلَّم ليأخذ الموز؛ ولكنَّه تفاجأ أَنَّ القرود الأربعة قد انهالوا عليه بالضرب حتى أجبروه على النزول، بعد محاولات عدَّة، وبعد تعرضه للضرب؛ فهم القرد الجديد بِأنَّ عليه ألَّا يصعد السلَّم، مع أنَّه لا يدري ما السبب. قام العلماء بتبديل واحد آخر من القرود القدماء، واستبدلوه بقرد جديد، وحلَّ به ما حلَّ بالقرد البديل الأول، حتى أَنَّ القرد البديل الأول شارك زملاءه بالضرب وهو لا يدري لماذا يضرِب...، وهكذا دواليك حتى تم تبديل جميع القرود الخمسة الأوائل بقرود جديد، فصار في القفص خمسة قرودٍ جدد، لم يرش عليهم ماء بارد أبداً، ومع ذلك لم يزالوا على حالتهم التي تعلموها من تلك التجربة؛ فهُم يضربون الآن أيَّ قردٍ جديدٍ تُسوِّل له نفسه أَن يصعد السلم لينال من الموز، من غير أَن يعرفوا السبب، وهكذا تتم صناعة الغباء...، ولو سألنا القرود لماذا يضربون القرد الذي يصعد السلَّم؛ سيكون الجواب، لا ندري! ولكن وجدنا آباءنا وأجدادنا لها فاعلون!"
قد تكون تلك الحادثة حقيقة من حقائق آينشتاين، وقد تكون من وحي خياله كعالم في الفيزياء الطبيعية ومتمرِّس في علم الاجتماع، ومتنبئٍ ذكيٍ في العلوم الإنسانية المستقبلية، حيث إنَّه صَدَقَ في معظم توقعاته وتنبؤاته التي تنبأ بها، فقد كان ذات يوم في جولة داخل اليابان، وأثناء وجوده في الفندق؛ جاء إليه "جرسون" فقدم له الخدمات المخصصة للزبون، وبعد أَنَّ أكمل عمله؛ هَمَّ بالخروج، فناداه آينشتاين باستحياء؛ لأنه لم يجد حينها أي مال يعطيه لذلك "الجرسون"؛ فاضطر أَنَّ يعطيه ورقة، كتب فيها: "حياة هادئة ومتواضعة، خير من نجاحٍ مقرونٍ بالقلق!"، وبعد أَن أعطى آينشتاين الورقة "للجرسون"؛ قال له: "احتفظ بها، فربما تساوي قيمتها في يوم من الأيام أكثر من قيمة المال نفسه!" وضع "الجرسون" الورقة في جيبه، ولم يدرك أنَّها نظرية من نظريات السعادة التي كانت من أهم النظريات التي جاء بها آينشتاين، واحتفظ بها طيلة حياته، حتى أورثها لأبنائه، وظلَّت تلك الأقصوصة الورقية يتوارثها الأبناء، حتى جاء العالم 2017م، لِتَصدُق نبوءة وتوقعات آينشتاين؛ فقد باعها واحدٌ من أحفاد "الجرسون" بمليون ونصف دولار أمريكي!
وفي تنبؤٍ ثانٍ لآينشتاين، وقراءاته المستقبلية؛ أنَّه قال: لا أعلم عن طبيعة السلاح الذي سيستخدمه العالم في الحرب العالمية الثالثة ونوعيته؛ ولكنَّني متيقنٌ أَنَّ الحرب العالمية الرابعة ستكون بالحجارة والعصي! وفي تنبؤٍ ثالثٍ له، أنَّه رفض العرض الذي قُدِّمَ إليه في أَن يتولَّى رئاسة الدولة الصهيونية، قائلاً: إنَّني لا أقبل أَن أكون رئيساً لدولة لن تعيش أكثر من خمسين عاماً! وكأَنها إشارة تدلنا على احتمال صِدقِه في قرب انتهاء الدولة الصهيونية.
لم أَقُمْ بسرد تلك الأحداث وتلك التنبؤات إلا من أجل إيضاح مفهوم واقعي حيٍّ نعيشه في عصرنا الحالي، وهو مفهوم "الداروينية الاجتماعية العربية" التي تمثل حالة من التفكير الذي حدث مع قرود العلماء فمارسوا فيه صناعة جديدة للغباء، ولم يكن سرد الأحداث إلا من أجل تحقيق نظرية تنبؤية له، تنافي نظرية السعادة وتتوافق مع نظرية صناعة الغباء، وقد ذكرت تلك الأحداث لإسقاط أحداث نظرية معاصرة تتعامل بها مؤسساتنا العربية، وتنتهجها عقول مسؤولينا الأشاوس، الذين ينتهجون نهج اللامنطق واللاوعي في التأقلم مع المعطيات المعاصرة؛ فتصدر عنهم أفعالٌ منافية للمصلحة العامة، وتَرِدُ على أَلسِنتِهم تصريحات نابعة من القصور العقلي والنقص في الاستيعاب، فضلاً عن الكسل في النشاط وفشل في تنفيذ العمل؛ ليصلوا بنا إلى مرحلة تُفقَدُ بها القدرة على الربط بين الواقع والمنطق، لنصل معهم وبهم إلى نتائج عديمة الفائدة! تماماً كما يحصل في أنماط تفكير الحاقدين، الذين إذا أرادوا أَن يجعلوا بناءَهم أعلى من بناءِ الآخرين؛ فإنَّهم لن يجدوا من الحلول إلا هدم بناء الآخرين؛ ليبقى بناؤهم هو الأعلى، في حين أنَّهم لو اختاروا رفع بنائهم لأصبح أعلى من بناء الآخرين؛ مع بقاء جميع الأبنية في حالة السمو!
إنَّ مصطلح "الداروينية الاجتماعية العربية" المنبثق من مصطلح "الداروينية البيولوجية"، يتمثل في نمط من أنماط التفكير الذي وقع منذ زمن لأحد عمال سِكَك الحديد، فقد رأَى ذلك العامل تِسعة أطفالٍ يلعبون بجانب سِكَّة حديدية مستخدمة ونشطة يسلُكُها القطار بين الحينِ والآخر، كما إنَّه رأَى طفلاً واحداً يلعب بمفرده بجانب سِكَّة حديدية مهجورة وقديمة وغير مخصصة لسير القطار إلا في حالات الطوارئ، وعندما لمح العامل أَنَّ القطار قادمٌ؛ أصابه الهلع والخوف على الأطفال التسعة الذين يلعبون على خط القطار النشط، فقرر -بعد تفكير سريع- أَنَّ يقوم بتحويل مسار القطار من الخط النشط إلى الخط المهجور؛ فينقذ –بفعلته تلك- حياة الأطفال التسعة، ويضحي بحياة الطفل الذي كان يلعب بمفرده على السِكَّة الحديدية المهجورة؛ كنوعٍ من ممارسة الصلاحيات المحققة لأقلِّ الخسائر! مستعيناً بمنطق "التفكير الكَمِّيِّ" الذي يسوقه لإنقاذ الأشخاص، ولم يعِ أَنَّ هناك منطقاً للتفكير "الكّيفِيِّ" أو "النوعي"، فقد ضحى عامل السِكك الحديدية بالطفل الذكي الوحيد الذي اختار الطريق الصحيح والقرار الصائب باللعب في المنطقة الآمنة؛ واختار أَنَّ ينقذ تسعة من الأطفال الأغبياء المهملين المستهترين الَّذين لم يفكروا بالطريقة الصائبة واختيار المكان المخصص للعب، وفضلوا التواجد في منطقة الخطر من غير اكتراث، تماماً كما هو متَّبَعٌ في الدول التي تتجاوز عقول مفكريها الذين يصنعون السعادة لغيرهم مثلما يصنعونها لأنفسهم، ويُنَمُّونَ اقتصاد دولهم ويُحسِّنُونَ سياستها، فتضحي بالأذكياء وأصحاب العقول التي تبني المؤسسات وتَسمُو بها وتُسيِّرُها نحو الاستقرار والنمو المطرد الذي يسهم في إرساء قواعد النجاح والاستمرارية فيه، وتكتفي –للأسف- باختيار حفنة من الأغبياء الَّذين يُنفِّذُونَ دون تفكير ودون وعي؛ فيقودون المجتمعات نحو الهاوية، والمؤسسات نحو الانحدار، ليؤسِّسوا مجتمعات تافهة يسهل السيطرة عليها، كما حدث في واقعة السِكَّة الحديدية، فضلاً عمَّا جاء في واقعة القرود الآينشتاينية التي نادت بنداء الجاهلية الأولى، قائلة: "بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ".
أخيراً لا ينبغي أَنَّ يكون مصطلح "الداروينية الاجتماعية العربية" مصطلحاً واقعا يُحكَىَ ضِمن محاضرة تنموية للبشر، بل إنَّه يصلح أَن يكون عنواناً لكتاب يتحدَّث عن واقع فعليٍّ تعيشه معظم المجتمعات الشرقية، يستطيع مؤلِّفه أَن يُعنوِنَ فصوله بواقعٍ مثاليٍّ يحكي قصصَ تنظيرٍ كثيرةٍ عن الذكاء، والتفوُّق التربوي، ثم يَنثُرُ ضِمن "أبواب فصول كتابه" دور المؤسسات التعليمية العربية المبذولة في تدريس الأخلاق، والعقيدة، والقيم، والمُثل، والمبادئ، وإفراز الأذكياء من أَجلِ السمو بهم، ليأتي إلى تأليف "مباحث الكتاب" ليجسد فيها دور المسجد والكنيسة والمعبد في تلقين البشر وتأهيلهم أَخلاقياً، لينتهي بالواقع "الفنتازي" الهزلي الذي يصطدم به المتلقي حال ممارسته للحياة العملية أو المؤسسية، لتبدأ بعدها رحلة التغيير والتغيُّر المفاجئ واصطدامه بسذاجة من يحتلُّ المناصب والوظائف، والتغافل عن الأذكياء وتجاهل الاستفادة من عقولهم، ليختم المؤلِّفُ كتابه "بنتائج وتوصيات" ينشر فيها مستخلصاً إدارياً من سيرة "جورج بوش الأب"، حينما وقف أمام طلبة إحدى الجامعات الأمريكية، وقال قولته الشهيرة: "كل من حصل على تقديرٍ جيِّد؛ يستطيع أَنَّ يصبح رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية!".
وبذلك؛ فإن المؤلف قد ختم كتابه كاملاً، ولم يتبقَ عليه سوى أَن يَصُوغ جُملة "الإهداء" التي سيضعها في مقدمة كتابه، مستأنساً بعالمِ المنطق والمؤرِّخ البريطاني "برتراند راسل" حينما قال: "إِنَّ الأغبياء والمتشددين واثقون بأنفسهم أَشدُّ ثقة، أَمَّا الحُكَماءُ والأذكياءُ فتملؤهم الشكوك"! فيوجه حالئذٍ إهداءه إلى الأمة العظيمة التي سلكت خطاً متعرجاً، ثم استقالت من مهامها، وبدأت تحفر قبورها، وتخيط أكفانها؛ للمغادرة الإجبارية والانسحاب من التاريخ.




