أقلام وآراء

معابرة يكتب : "يوجد لدينا لبن" !

وليد معابرة - يُخامرني شكٌّ أَنَّ معظم البشر لا يُلقون اهتماماً، بل إنَّهم لا يَلتفتون إلى الجوانب العلمية، أو الثقافية، أو الفلسفية التي تحتويها النصوص الإبداعية، خاصَّة إذا كانت تلك النصوص مكتوبةً بقلم كاتبٍ ذي حِسٍّ أدبيٍّ، أو بقلمِ مثقفٍ م

شاركWhatsAppFacebookX
معابرة يكتب : "يوجد لدينا لبن" !
وليد معابرة - 

يُخامرني شكٌّ أَنَّ معظم البشر لا يُلقون اهتماماً، بل إنَّهم لا يَلتفتون إلى الجوانب العلمية، أو الثقافية، أو الفلسفية التي تحتويها النصوص الإبداعية، خاصَّة إذا كانت تلك النصوص مكتوبةً بقلم كاتبٍ ذي حِسٍّ أدبيٍّ، أو بقلمِ مثقفٍ مُلِمٍّ بجوانبَ عدَّة من العلوم الاجتماعية والإنسانية، أو بقلم متعلِّمٍ متخصصٍّ في إحدى المجالات العلمية.

 لذلك تجد أنَّ بعض البشر ممن يُطلقون على أنفسهم أنَّهم ناقدون؛ يقومون بتحليل النصوص وِفقاً لثقافتهم، أو وِفقاً لمستوى الفهم البسيط لديهم؛ بطريقة لا تتناسب والمنطق السليم، ولا تنتمي إلى أبسطِ حالات الوعي والإدراك.

من باب الاستطراد؛ أحببتُ أَن أذكرَ قصةً حقيقيةً حدثت أثناءَ محاضرةٍ لعالم الرياضيات اليوناني "إقليدس"، الملقب بأبي الهندسة، حيث كان منهمكاً في شرح معادلة رياضية، تحتوي رموزاً ومتغيِّرات، محاولاً إيصال فكرةٍ علميةٍ لطلبته؛ مستخدماً أنماط التفكير الإبداعي في غرسِ المفهومِ لدى الطلبة المستمعين...، حتى قام واحدٌ منهم ليسأله قائلاً: إنِّها معادلة رياضية طويلة لا تحتوي إلا رموزاً كثيرة ومتغيِّرات! فما الفائدة التي سنجنيها نحن من فهم تلك المعادلة؟ فما كان من "إقليدس" إلا أَنَّه مَدَّ يَدَهُ إلى جيبه، وأخرج درهماً، ثم أعطاه للطالب! فسأله الطالب مستغرباً من فِعلته؛ لِمَ أعطيتني ذلك الدرهم؟ فقال "إقليدس": لأنَّكَ لا تعرف إلا القيمة المادية للأشياء!

قبل أيام مررتُ بنفرٍ من الناس، وكانوا يوجهون الانتقادات حول مقالٍ منشورٍ لواحدٍ من الكتَّاب العرب، وقد سَنَحَتْ لِيَ الفرصة أن أكون من المطلعين على ذلك المقال؛ قبل أن أرتكبَ جريمة السعادة في الجلوس إليهم، فوجدت في ذلك المقال، جملةً من المفارقات اللغوية، واستخداماً عميقاً للتناص اللغوي والمجاز، والانزياح الأسلوبي الذي يخرق المألوف من القول، والانزياح الدلالي الذي يطلق فعل التدليل ويعيد إنتاج المعنى، والاستطرادات، وفيزياء الخطاب السردي، والاستعارات، فضلاً عن السيميائية والعلامات والتنقلات الواضحة في الأفكار التي يحتويها ذلك المقال، وكنت معجباً جداً بأسلوبِ الكاتبِ وطريقة سرده، وإمكانية إسقاط المفاهيم على واقعها، بحيث يجعلك تعيش المناخ الحقيقي الذي كان يعتريه حين بدأ بتسطير ذلك المقال، المليء بالمعرفة الدقيقة باللغة العربية، وحسن التصرف في القول، وسرعة البدهيَّة، وتوفير أسباب الإجادة والنجاح، سواء في العنوانات التي يحتويها المقال، أو الاستفتاح، أو الاختتام، أو المضامين، أو التصوير الفنِّي الذي لا يُجيده الكثير من متعاطي الكتابة الإبداعية، المائلة إلى اصطناع المفارقة؛ وتسليط الضوء على مواطن الخلل الاجتماعي وتضخيمها، باستحضار المتضادات والنقائض والميل إلى التصوير الكاريكاتوري، من أجل إقناع القارئ بالقضايا التي يتضمنها ذلك المقال وينتصر إليها في سبيل خلخلة بعض قناعاته السلبية، بتنوع الطرائق بين جملة تقريرية مؤكدة، وقول مأثور، وسؤال مفتوح يبقي في ذهن المتلقي أثراً باعثاً على التماهي مع القضية، وحاثاً على التفكير في أسبابها وتجلياتها وسبل حلِّها.

إن الغرابة فيما ذكر؛ أَنَّ الجالسين بدأوا بانتقاد الكاتب ونعته بالمبتدئ، بل إنَّ أحدهم حكمَ عليه بحكمٍ قاسٍ لا يليق بمثله من المبدعين، حيث وصفه قائلاً: "طابّ على اللغة العربية طَبَّة"...، لست أدري لماذا! ربما لأننا كنا خيرَ أمةٍ قرأتْ، وخيرَ أمةٍ أخرِجت للناس، وتخلَّفنا -بعد ذلك- فأصبحنا أمةً تستقيلُ من مهامها، وتحفِرُ قبورها، وتحِيكُ أكفانها؛ للمغادرة الإجبارية والانسحاب من التاريخ.

خلاصة القول: إنني حاولت إنصاف الجالسين، فصرت أتفقد الأبعاد الفكرية التي كانوا ينمازون بها ويحلِّلون من خلالها، وظللت منهمكاً في التفكير؛ حتى وصلتُ إلى أنَّهم حفنةٌ من المنظرين الَّذين يتمتعون بقواسمَ مشتركة في التفكير، وقواسمَ مشتركة في الأهداف، وكلما أمعنتُ التفكير بهم؛ أدركتُ أَنَّ ليس لأحدٍ منهم أية قدرة على كتابة فقرة مكوَّنة من ثلاثة سطور، من غير ارتكاب أخطاء إملائية ولغوية قاتلة.

ولأنني أحترم الأمانة العلمية والأدبية، وأحِبُّ أن أمارسَ الإنصاف في الحكم؛ وجدتُ أَنَّ هناك مهارة مشتركة تجمعهم في التطلُّعات والطموحات، تندرج ضمن استحداث دكانٍ صغيرٍ لبيع الشيبس والبسكويت، لتحقيق طموحٍ أزليٍّ بإدارة المشاريع، وتنفيذ رغباتهم بالجلوس أمام الدكان، ولعب "المنقلة" وانتقاد الآخرين، فضلاً عن أنَّني اكتشفتُ أَنَّ الاستطاعة الوحيدة التي يمتلكونها في الكتابة؛ هي أَن يقومَ أحدهم بتعليق لوحة على باب الدكان، مرسومة بخطٍ بائسٍ ومتعرِّج، يَكتبُ عليها الجملة الوحيدة التي تنبع من بناتِ أفكارِه، عنوانها: "يوجد لدينا لبن"!

أخبار ذات صلة