وكالة الرقيب الدولي الإخبارية
https://stage.alraqeb.net/news/41224/%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%A8%D8%B1%D9%87-%D9%8A%D9%83%D8%AA%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%84%D9%91%D9%8F-%D9%87%D9%88-%D9%82%D8%AA%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%86%D8%A7%D9%86%D9%8A%D9%86
معابره يكتب : الحلُّ هو قتل الفنانين !
وليد معابره - أمَّا قبل؛ فإنَّ مهنة الإعلام -بطرائقها المتعددة- والاهتمام بها ومراعاتها، هي مهنة المصحلين من البشر على مرِّ العصور، وفي مختلف الحُقَبِ التاريخية، وإنَّ الاهتمام بأنواع البشر كالفنانين، والكتَّاب، والشُّعراء، والمخرجين؛ الذين يمت

وليد معابره -
أمَّا قبل؛ فإنَّ مهنة الإعلام -بطرائقها المتعددة- والاهتمام بها ومراعاتها، هي مهنة المصحلين من البشر على مرِّ العصور، وفي مختلف الحُقَبِ التاريخية، وإنَّ الاهتمام بأنواع البشر كالفنانين، والكتَّاب، والشُّعراء، والمخرجين؛ الذين يمتلكون القدرة على نشر الأفكار وغرسها في نفوس البشر، يدلُّ على مستوى الوعي لدى أيَّة دولة، ولدى أيِّ شعب، ولدى أيَّة مؤسسات، حكومية كانت أم خاصة، وحيثما كانت وضعية أصحاب تلك المهن ومكانتها رفيعة وذات شأن؛ سيدلُّ ذلك على أنَّ هذه الدولة متقدمة واقعياً وحضارياً، وحيثما وجدنا الحطَّ والاحتقار لها؛ فإننا سندرك أننا أمام جهات لا تعرف مصادر قوَّتها ولا أسس نهضتها.
وأمَّا بعد، فلم أَشكُّ –للحظة- أنَّ المجتمعات العربية مجتمعات "دفَّانَة"، تتناسى المحاسن والمناقب وأساليب الدعوى في غرس المفاهيم والقيم الاجتماعية، لتتذكر المساوئ والمثالب التي ينماز بها بعض أنواع البشر النرجسيين، الَّذين يُفضِّلون الظهور والشهرة على حساب الجوهر، بل حتى على حساب نشر الفكر وتأصيل المعاني الحقيقية التي وُجِد الإنسان من أجلها.
لستُ معترضاً على ما اقترفته بعض الجهات الأردنية في استغلال مناسبة وطنية، واستثمارها لتكريم فئة معينة من الفنانين غير الأردنيين؛ فهذا يُعَدُّ نهجاً قديماً وتجاوزاً معتاداً عليه من قبل الأردنيين، وقد سئموه منذ زمن بعيد؛ ولكنني ممتعضٌ لما انتهجته تلك الجهات من تناسي فضائل المبدعين الأردنيين وتعميم محاسنهم والإشارة إلى ما قدموه من فنون ساهمت في إحياء التراث الأصيل، المُفعَم بمبادئ الصدق وغرس المفاهيم المليئة بأصالة الماضي وحداثة المستقبل، التي استطاعت أن تُخلِّد وتعمم ثقافة أردنية أصيلة ورائدة، بل ثقافة رِياديَّة يتنافس المتنافسون من المجتمعات الأخرى في الوصول إلى عمقِ مستواها التاريخي أو الاجتماعي أو الأخلاقي.
إنَّه من البدهي، أنَّ نكون منصفين في تصنيف البشر وإعطاء كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، كما إنَّه من البدهي أيضاً أن ندرك أنَّ الفنانين الأردنيين، وكتُّاب النصوص الدرامية والمسرحية؛ قد قدموا مسلسلات خالدة، انمازت عن غيرها من المسلسلات والأفلام العربية الأخرى، أنَّها مارست الفضائل بطرق شتى، وعممت ثقافات واعية، وغرست مفاهيم تربوية مكَّنَت المتلقي من الحصول على علمٍ تربوي واجتماعي فريدٍ بدون عناء؛ في زمنٍ باتت فيه معظم المجتمعات تخلط بين ما يسمى "بتربية الطفل" و "رعاية الطفل"، فهناك نصوص درامية أردنية يحتاج المتلقي فيها إلى قراءة مئات الكتب المتخصصة من أجل كسب المعارف، وإحياء القيم الأخلاقية والاجتماعية الأصيلة الخالدة التي تتدفق بطريقة درامية وتربوية سلسلة، بعكس ما قدمته بعض شركات الإنتاج العربية من أفلام ومسلسلات مَلأَى بالإيحاءات الجنسية التي أسهمت في تحوير مفاهيم اجتماعية؛ بعد أن أعدمت الأصول، ونشرت الرذيلة، وغرست مفاهيم التأمرك واضمحلال الفِكر بقصد أو بغير قصد، حتى بات المشاهدون يشاهدون ويسمعون ما يُشعرهم بأنَّهم أمام أمَّةٍ عربيةٍ استقالت من مهامِها، وبدأت تحفرُ قبورها وتحيكُ أكفانها للمغادرة الإجبارية والانسحاب من التاريخ.
إن الغريب في المؤسسات العربية الإعلامية أنَّها تسلِّط الضوء على مثالب البشر، ولا تلقي بالاً لمحاسنهم أو لما قدموه من إحياء للتراث، أو تعميمٍ للثقافات الراقية إلا بعد وفاتهم أو مرضهم، وكأنَّ هناك حالة من اللاوعي تقودهم إلى كتمان ما يحب الفنانون أو المبدعون سماعه في حياتهم أو في حالات إدراكهم، والدليل؛ أَنَّ تلك الجهات تتتبع عورات الفنانين والمبدعين في بعض الأحيان، وتتغافل عن ذكر ما قدموه في حياتهم، لتعود إلى التحدث عنهم بموضوعية في حالة فقدانهم...، ولا أدري لماذا! ربما لأنَّ تلك الجهات جُبِلت على اللامبالاة، أو لأنَّ الضمائر لا تستيقظ إلا بعد وقوع ثغرة من الفراغ العميق الذي كان يُشغله ذلك الفنَّان، أو ذلك الكاتب، أو ذلك الشاعر، إذ أنَّه من غير الملائم أن نقوم على قتل الفنانين والمبدعين من أجل إنصافهم والاعتراف بهم بعد وفاتهم، وأنَّه من غير المنطق أن ينتظر الفنانون الأردنييون والمبدعون تكريماً من دولة صديقة أو شقيقة لأبراز أدوارهم، خاصة أننا ندركُ أنَّ سِيَرَهُم العملية والإبداعية بدأت بالاعتراف بِحقِّ الوطن، وممارسة الفضيلة من أجل نشر وتعميم الثقافات التي تُسهمُ في بناءِ الوطنيةِ الحقيقية، وحب الأرض، فضلاً عن الانتماء إلى الشعب.
أريد أن أقولَ، بعد أن صار الكلام وليس الصمت من ذهب: إنَّ الأدباء والشعراء هم من أهدوا أرضهم حباً ووجداناً أنقى من أمطار السُّحُب، وإنَّ الفنانين والمبدعين، هم من ساهموا في غرس الثقافات الراقية وهزم الرذيلة بالخوف والرعب، فلماذا نَتَعَمَّد تجاوزهم! ثم نسعى إلا إلى إسقاطهم كقطعٍ وكسورٍ عشريةٍ تُرمى في جدول الضَّرب، حتى باتت كلاب الصهاينة تدلَّلُ مسرورةً بجمعية الرفق بالكلب، وبات الفنانون والأدباء يفتشون عن جمعية الرفق بالشعب.




