الزميل مُعين المراشده يكتب: حين يصبح المُنتَخَب بلا صلاحيات
بقلم - معين المراشده -يُعد مشروع قانون الإدارة المحلية، المعروض حاليًا أمام مجلس النواب، من أهم التشريعات التي ستحدد شكل الإدارة المحلية في السنوات المقبلة، لما له من أثر مباشر على عمل البلديات ومجالسها المنتخبة، وعلى
بقلم - معين المراشده -يُعد مشروع قانون الإدارة المحلية، المعروض حاليًا أمام مجلس النواب، من أهم التشريعات التي ستحدد شكل الإدارة المحلية في السنوات المقبلة، لما له من أثر مباشر على عمل البلديات ومجالسها المنتخبة، وعلى طبيعة العلاقة بين الإدارة التنفيذية والإرادة الشعبية.
ومن بين القضايا التي تستحق التوقف عندها، اشتراط المشروع أن يكون رئيس المجلس البلدي وأعضاؤه من حملة المؤهلات الجامعية، وهو توجه يعكس حرصًا على تعزيز الكفاءة العلمية ورفع مستوى الأداء في المجالس المنتخبة، وهو أمر يستحق التأييد من حيث المبدأ.
غير أن هذا التوجه يثير تساؤلًا جوهريًا عندما يُقرأ إلى جانب توزيع الصلاحيات الواردة في المشروع... ما جدوى اشتراط المؤهل الجامعي إذا كانت معظم الصلاحيات التنفيذية والإدارية تمارس فعليًا من قبل المدير التنفيذي...؟
فإذا كان المشرع يرى أن الشهادة الجامعية ضرورة لتولي رئاسة المجلس أو عضويته، فإن ذلك يعني ضمنًا أن صاحب القرار يجب أن يمتلك المعرفة والكفاءة لإدارة الشأن البلدي واتخاذ القرارات التي تمس حياة المواطنين... أما إذا كانت أدوات الإدارة والتنفيذ قد انتقلت إلى موظف معيّن، فإن اشتراط المؤهل العلمي للمجلس المنتخب يفقد جانبًا مهمًا من مبرراته العملية.
إن الكفاءة لا تُقاس بمجرد حمل الشهادات، وإنما بقدرة صاحبها على ممارسة صلاحياته وتحمل مسؤولياته.
أما أن يُطلب من المرشح أن يمتلك التأهيل العلمي، ثم يُحرم من أدوات القرار، فإن الشهادة تتحول إلى شرط شكلي أكثر منها وسيلة لتحقيق إدارة محلية أكثر كفاءة.
ولا تكمن الإشكالية في وجود مدير تنفيذي محترف، فالإدارة الحديثة تحتاج إلى جهاز تنفيذي متخصص ومستقر، لكن المشكلة تظهر عندما تصبح السلطة التنفيذية الواسعة بيد موظف معيّن، بينما يبقى الرئيس المنتخب وأعضاء المجلس، الذين منحهم المواطن ثقته، محدودي الصلاحيات في إدارة الشأن البلدي.
وهنا تظهر المفارقة الديمقراطية... فالمواطن سيذهب إلى صناديق الاقتراع لينتخب رئيسًا وأعضاءً يعتقد أنهم سيقودون العمل البلدي، ثم يكتشف أن القرار التنفيذي في كثير من الملفات أصبح بيد شخص لم يختره الناخبون، ولا يخضع للمساءلة الانتخابية المباشرة.
ومن هنا تنشأ فجوة بين السلطة والمسؤولية... فمن يُحاسَب أمام المواطنين لا يملك كامل أدوات الإدارة، ومن يملك أدوات الإدارة لا يُحاسَب أمام المواطنين عبر صناديق الاقتراع...وهذه معادلة تستحق التوقف والمراجعة، لأنها تمس جوهر الإدارة المحلية، القائمة على تمكين ممثلي المواطنين من إدارة شؤونهم وتحمل المسؤولية عنها.
إن الإصلاح التشريعي الحقيقي لا يقتصر على رفع شروط الترشح، بل يقتضي أيضًا تمكين المجالس المنتخبة من ممارسة اختصاصاتها بصورة حقيقية. فكلما ارتفع سقف المؤهلات المطلوبة، ينبغي أن يرتفع معه سقف الصلاحيات، حتى تتحقق المعادلة الطبيعية بين الكفاءة والسلطة، وبين المسؤولية والمساءلة.
ولا شك أن مجلس النواب، وهو يناقش مشروع القانون، يمتلك فرصة مهمة لإعادة النظر في هذه المعادلة، بما يحقق التوازن بين وجود إدارة تنفيذية محترفة، وبين الحفاظ على الدور الحقيقي للمجالس المنتخبة، باعتبارها صاحبة الشرعية الشعبية والممثلة لإرادة المواطنين.
فنجاح الإدارة المحلية لا يقاس بعدد الشهادات التي يحملها المنتخبون، وإنما بمدى قدرتهم على ممارسة الصلاحيات التي انتخبهم المواطنون من أجلها.
أما إذا بقيت الشهادة شرطًا للترشح، بينما ظل القرار الحقيقي في يد غير المنتخبين، فإننا نكون أمام مفارقة تشريعية تستحق النقاش قبل إقرار القانون.
إنها لحظة مناسبة لإعادة طرح السؤال الذي ينبغي أن يرافق مناقشات مشروع القانون تحت قبة البرلمان... هل نريد مجالس منتخبة تقود الإدارة المحلية فعلًا، أم مجالس تحمل الشرعية الشعبية بينما تمارس السلطة التنفيذية جهة أخرى.. ؟
ذلك هو جوهر النقاش، وذلك ما يستحق أن يحسمه المشرّع قبل أن يصبح مشروع القانون قانونًا نافذًا.
*ناشر ورئيس هيئة تحرير وكالة "الرقيب الدولي" الإخبارية.