بقلم: يونس الكفرعيني هذا القرار لم يأتِ مفاجئًا لمن يعرف مسار الدولة الأردنية، ولا صادمًا لمن يقرأ عقل القيادة، بل جاء منسجمًا مع فلسفة ثابتة حكمت الدولة
هذا القرار لم يأتِ مفاجئًا لمن يعرف مسار الدولة الأردنية، ولا صادمًا لمن يقرأ عقل القيادة، بل جاء منسجمًا مع فلسفة ثابتة حكمت الدولة منذ تأسيسها، قوامها أن الأمن الوطني ليس ترفًا سياسيًا، ولا ورقة تفاوض، ولا شأنًا مؤجلًا، بل هو جوهر الوجود، وشرط الاستقرار، وضمانة الاستمرار.
في محيط إقليمي يموج بالاضطراب، وتتشابك فيه النزاعات، وتتبدل فيه التحالفات، وتسقط فيه الضمانات، يصبح من الخطأ القاتل أن تُبنى سياسات الدول على حسن الظن، أو على وعود الآخرين، أو على حسابات مؤقتة. وقد أثبتت التجارب القريبة والبعيدة أن من يربط أمنه برهانات خارجية، يجد نفسه في لحظة الحقيقة وحيدًا، بلا سند، وبلا وقت، وبلا خيارات.
من هنا، يمكن فهم إعادة الهيكلة باعتبارها انتقالًا واعيًا من منطق التطمين إلى منطق التحصين، ومن فلسفة الانتظار إلى فلسفة المبادرة، ومن إدارة الخطر إلى منع تشكّله. فهي ليست مجرد إجراء تنظيمي داخلي، ولا خطوة تقنية في بنية الجيش، بل إعادة تعريف شاملة لمفهوم القوة، ولطبيعة التهديد، ولأدوات المواجهة، ولشكل الدولة التي تريد أن تبقى متماسكة وقادرة على حماية نفسها بنفسها.
الجيش في الوعي الأردني ليس مؤسسة منفصلة عن المجتمع، ولا كيانًا فوق الناس، بل هو صورة مكثفة عن الوطن نفسه. هو ابن هذا الشعب، خرج من بيوته، وحمل قيمه، وتشكل من تنوعه، وانصهرت فيه كل المنابت والأصول تحت راية واحدة اسمها الأردن. لذلك فإن أي قرار يمس الجيش، إنما يمس المجتمع بأسره، ويطال وجدانه، ويعيد ترتيب ثقته بذاته وبمستقبله.
حين تتخذ القيادة قرارًا بإعادة الهيكلة في هذه المرحلة الدقيقة، فهي لا تعيد تنظيم الوحدات فقط، بل تعيد طمأنة المجتمع، وتؤكد له أن الدولة حاضرة، يقظة، مدركة، وأن أمنه ليس متروكًا للتقديرات العابرة أو للمفاجآت غير المحسوبة. هذا البعد النفسي والاجتماعي للقرار لا يقل أهمية عن أبعاده العسكرية، لأن الشعوب التي تشعر أن دولتها تمسك بزمام الأمور، تكون أكثر صلابة في مواجهة الأزمات، وأكثر التفافًا حول مؤسساتها.
أما سياسيًا، فإن القرار يحمل رسالة واضحة لا لبس فيها. رسالة تقول إن الأردن لا يُدار من خارج حدوده، ولا يحدد خياراته وفق أهواء الآخرين، ولا يبني أمنه على تغير المزاج الدولي. هو دولة ذات سيادة، تعرف متى تعيد ترتيب أوراقها، ومتى تطور أدواتها، ومتى تتخذ قرارات صعبة ولكن ضرورية. وفي عالم تتراجع فيه الأخلاق السياسية، وتعلو فيه لغة المصالح المجردة، يصبح الاعتماد على الذات فضيلة استراتيجية لا شعارًا عاطفيًا.
ومن الناحية العلمية والعسكرية، فإن إعادة الهيكلة تمثل استجابة منطقية لتغير طبيعة الصراعات. فالحروب اليوم لم تعد تقليدية في معظمها، ولم تعد ساحاتها واضحة، ولا أطرافها محددة، ولا أدواتها مقتصرة على السلاح. هناك تهديدات هجينة، وضغوط غير مرئية، وحروب إرادة، ومعارك وعي، وصراعات طويلة النفس. وكل ذلك يتطلب جيشًا مرنًا، عالي الجاهزية، سريع القرار، متكامل البنية، قادرًا على التكيف مع المستجدات، لا جيشًا مثقلًا بالترهل أو محكومًا بأنماط تقليدية لم تعد صالحة.
لكن جوهر القوة الأردنية لم يكن يومًا في العتاد وحده، بل في معادلة فريدة تجمع بين قيادة تمتلك الشرعية والحكمة، وجيش يحمل عقيدة وطنية صافية، وشعب يرى في الدولة مظلته وفي الجيش درعه. هذه المعادلة هي التي حفظت الأردن عبر عقود من العواصف، وهي التي جعلته واحة استقرار في محيط مضطرب، وهي التي تفسر لماذا بقيت الدولة قائمة بينما تهاوت دول أكبر عددًا وأوسع مساحة.
ومن هذا المعنى، فإن عبارة "كلنا جنود في هذا الجيش" ليست توصيفًا جغرافيًا، بل تعبيرًا رمزيًا عميقًا عن وحدة المصير، وعن أن الدفاع عن الوطن لا يُجزّأ، ولا يُختزل، ولا يُنسب إلى جهة دون أخرى. الجنوب هنا ليس مكانًا، بل قيمة، ورمز للثبات، والتضحية، والوفاء، وهي قيم تسكن وجدان كل جندي أردني، أينما كان، ومن أي أصل أتى.
إعادة الهيكلة، بهذا الفهم، هي فعل ثقة بالذات الوطنية، وتجديد للعقد غير المكتوب بين الدولة ومواطنيها، ومفاده أن الوطن ليس مشروعًا مؤقتًا، ولا كيانًا هشًا، ولا ساحة مفتوحة للمغامرات. هو دولة تعرف أن بقاءها مرهون بقدرتها على حماية نفسها، وباستعدادها الدائم لدفع كلفة الجاهزية بدل أن تدفع كلفة الفوضى.
وفي زمن يكثر فيه الكلام، ويقل فيه الفعل، يأتي هذا القرار ليؤكد أن الأردن لا يتحدث كثيرًا، لكنه يفعل عندما يجب أن يفعل، ويصمت عندما يكون الصمت حكمة، ويتحرك عندما يكون التحرك ضرورة. وهو بذلك يرسخ صورة الدولة التي لا تُدار بالأمنيات، ولا تُحمى بالنوايا الحسنة، بل تُصان بالقرار، وتُحفظ بالعقل، وتُبنى بالفعل.
إن إعادة هيكلة الجيش ليست حدثًا عابرًا في نشرة الأخبار، بل محطة مفصلية في مسار الدولة، تؤكد أن هذا الوطن ما زال يمتلك بوصلة واضحة، وقيادة تعرف أن حماية الأردن مسؤولية لا تقبل المقامرة، ولا تحتمل التأجيل، ولا تُفوّض لأحد.
سيبقى الأردن قويًا، لا لأنه محاط بالضمانات، بل لأنه محصّن بالإرادة. قوي لأنه لم يفرّط بجيشه، ولم يساوم على سيادته، ولم يترك أمنه للتخمين. قوي لأن فيه قيادة ترى أبعد من اللحظة، وجيشًا يعرف معنى القسم، وشعبًا يدرك أن الوطن يستحق.
وهكذا، لا يكون القرار مجرد إعادة هيكلة، بل إعادة تأكيد على حقيقة راسخة: أن الأردن دولة لا تُفاجأ، ولا تُبتز، ولا تُدار من الخارج، وأن جيشه سيبقى، كما كان دائمًا، سور الوطن وضميره الحي.