أقلام وآراء

الوعي المزعج للسلطة..

الكاتب الساخر: وليد معابرة - جامعة آل البيت بينما كنت أتصفح مواقع التواصل الاجتماعي؛ قرأتُ نكتةً فكاهيَّة على شكل محادثة كتابيَّة بين شاب طموح

شاركWhatsAppFacebookX
الوعي المزعج للسلطة..


الكاتب الساخر: وليد معابرة - جامعة آل البيت

بينما كنت أتصفح مواقع التواصل الاجتماعي؛ قرأتُ نكتةً فكاهيَّة على شكل محادثة كتابيَّة بين شاب طموح وحبيبته؛ حيث وقع بينهما حوارٌ تدور أحداثه حول حُلُمٍ رأَته الفتاة أثناء نومها؛ وعندما استيقظت أرسلت إلى حبيبها رسالة خطيَّة تقول فيها:
🔸حبيبي؛ أنا حلمت إِنَّك جاي تخطبني من أَهلي.
🔹الشاب: والله! وأنا كمان حلمت إنِّي طلبت إيدك من أبوكِ!
🔸البنت: أيوا...، وشو طلب منك مَهَر؟
🔹الشاب: طلب خمسة آلاف "مقدَّم"، وعشرين أَلف "مؤخَّر"!
🔸البنت: "يااااي" ممتاز، أَكيد انت وافقت صح؟
🔹الشاب: لا والله يا حبيبتي! ما لحقت أَوافق أَو أَرفض! لأَنَّي صحيت على صوت أُمي بتناديني: يا ولد قُوم من نومك! "انت على مين بتسبّ"؟
على الرغم من طرافة "النكتة" إلا أنَّها كشفت لي أنَّ حلمَ الشاب قد انتهى كما تنتهي مشاريعنا الإِصلاحيَّة! فنحن حينما نكتب عن الإصلاح لنهنأ بحياة كريمة؛ يأْتي إلينا الواقع مسرعاً ليوقظنا من وهم الرومانسيَّة السياسيَّة! وكلَّما حلُمنا بتحقيق آمالنا الأَزليَّة للخروج من أزماتنا الماليَّة الخانقة وتحقيق كرامتنا؛ جاء أحدهُم وطلب مهراً لا يُدفع بالدرهم والدينار، بل يُدفع بممارسة الصمت المطلق والطاعة العمياء! وكلَّما اقترب الكاتب والمثقف من مرحلة الحريَّة التي تتيح له النطق بكلمة الحق؛ أيقظته السلطة لتجري معه تحقيقاً عنيفاً ثم تصرخ بوجهه بصوتٍ عالٍ: "أنت على مين بتسبّ"!
♦️إِنَّ حقيقة الحياة التي نعيشها في العالم العربي؛ تتلخص بأَنَّنا نحلم بخطوبة ناجحة في المستقبل؛ لننتهي بصفعة مؤلمة من الحاضر!
♦️ومن جانب آخر نظنُّ بأَنَّنا بلغنا سنَّ الرُّشد؛ لنستيقظ على نشرات إخباريَّة تذكرنا بأَنَّنا ما زلنا تحت الوصاية.
♦️وإنَّ المواطنين يحلُمون بنهضةٍ تعلو بهم وترفع شأنهم؛ لكنَّهم يقومون من نومهم على نهضة جديدة من ارتفاع الأسعار التي تدهسهم وتحطِّم آمالهم.
♦️وفي العالم نفسه يحلُم خرِّيجو الجامعات بمستقبلٍ مشرق؛ فيجدون أنفسهم يعملون تحت إشرافِ مسؤول لا يُجيد القراءة.
♦️وتحلُم المجتمعات بالتغيير كلَّ صباح؛ لتجد أنَّ المسؤولين لم يُغيِّروا إِلا أَماكن جلوسهم.
♦️كما أنَّ الشعوب يحلمون بحكومةٍ تستمع وتنصِت لأَنينهم ليلاً؛ ليجدوا في الصباح استجواباً يُحاسبهم على بكائهم.
♦️وأخيراً؛ فإنَّه في بلادنا يتقاعد الموظف ليعيشَ حياةً كريمة براتب يكفيه؛ فينتهي به الأمر بائعاً على بسطة خضار، فيكون بذلك قد أَفنى زهرة شبابه في خدمة الدولة؛ ليستأنفُ مسيرته بقضاء عمرٍ جديدٍ في خدمة الزبائن.
✋ خلاصة القول: إِنَّ المضحك المبكي أَنَّني عندما كنتُ أَكتبُ سطور هذه الخاطرة؛ داهمني النعاس، فسقط القلمُ من يدي، ولم أَستيقظ إلا عندما سمعتُ صراخ زوجتي تناديني من المطبخ: 
🔸يا زلمة قوم هلكتنا بصياحك وانت نايم!
🔸يا زلمة نكَّدت علينا الله ينكِّد عليك!
وعندما صحوتُ من غفوتي؛ رأَيتها فوق رأْسي تصرخ وتقول:
🔸"صحصح معي" وخليك صريح، أَنا الآن بِدِّي أعرف كلشي! ومش رايحة أَحلِّ عنَّك إلا لما تحكيلي "وانت نايم على مين كنت تسبّ"؟
✋ عندها أدركتُ أَنَّ السخرية في بلادنا لا تُكتَب، ولكنَّها كثيراً ما تُجلَد وتُصفع وتُستَجوَب! كما أنَّني تأكَّدت تماماً أَنَّ الكاتب الساخر في بلادنا ((حتى لمَّا بكون نايم؛ بِظَلّ واعي وصوته مزعج للسلطة))!

أخبار ذات صلة