ما قاله رئيس الوزراء ليس توصيفًا عابرًا، وإنما تشخيصٌ دقيق لجرحٍ قديم طالما نزف بصمت داخل البلديات، حتى أوهَنها وأفقدها ثقة المواطن ودورها التنموي الحقيقي. نعم، جزءٌ كبير من مشاكل البلديات إدارية بحتة، لكن الأخطر أن هذه الإدارة شُلَّت على مدى سنوات بثقافة الواسطة والمحسوبية، لا بالكفاءة ولا بالقانون.
لقد تحوّلت بعض البلديات – إلا من رحم ربي – من مؤسسات خدمة عامة إلى ساحات لتصفية الحسابات، ومكافأة الولاءات، وتوريث المواقع، فغابت العدالة الوظيفية، وتراجع الأداء، وتكدّست الديون، وتآكلت هيبة القرار البلدي. المواطن، في نهاية المطاف، هو من دفع الثمن: شوارع مهترئة، خدمات متراجعة، ومشاريع تُدار بعقلية “لمن” لا “كيف”.
والمشكلة لا تتوقف عند البلديات المنتخبة فقط، بل تمتد – وبوضوح – إلى بعض بلديات التعيين، حيث ظُنّ أن التعيين بحد ذاته كفيل بضبط الأداء، فإذا بنا أمام خللٍ موازٍ، سببه غياب الرقابة الصارمة، وضعف المحاسبة، وترك بعض الموظفين دون تقييم حقيقي أو مساءلة فعلية.
إن إصلاح البلديات لا يبدأ بتغيير الوجوه، وإنما بتغيير القواعد الحاكمة.. قوانين واضحة لا تحتمل التأويل.
أنظمة رقابية صارمة تُطبّق بلا استثناء... معايير كفاءة وشفافية في التعيين والترقية... محاسبة حقيقية، لا إدارية شكلية، لكل من يسيء استخدام السلطة أو يتجاوز القانون.
البلديات ليست عبئًا على الدولة، بل ذراعها التنموية الأقرب للمواطن. وحين تُدار بعدالة، تصبح رافعة حقيقية للاقتصاد المحلي والخدمة العامة. أما حين تُختطف بالواسطة، فإنها تتحول إلى عبءٍ ثقيل، وتفقد ثقة الناس قبل أن تفقد مواردها.
إن وضع حدٍ للواسطة والمحسوبية في البلديات، كما أكد رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان أمس ، ليس ترفًا إصلاحيًا، بل ضرورة وطنية. فالدولة القوية تبدأ من مؤسسات محلية قوية، والمواطن لا يطلب معجزات، بل عدالة، ونظامًا، وخدمة تُدار بعقل الدولة لا بعلاقات الأفراد.
* ناشر ورئيس هيئة تحرير وكالة "الرقيب الدولي" الإخبارية.