كيف يصوغ التعليم الأردني إنسان الدولة ويكسر حلقة التدوير
بقلم : مساعد الامين العام في حزب النهضة والعمال الديمقراطي د نور خالد المشاقبة في مستهل أي نقاش جاد حول إعادة بناء العقد الاجتماعي الأردني يبرز خلل بنيوي لا يم
بقلم : مساعد الامين العام في حزب النهضة والعمال الديمقراطي د . نور خالد المشاقبة
في مستهل أي نقاش جاد حول إعادة بناء العقد الاجتماعي الأردني يبرز خلل بنيوي لا يمكن تجاوزه بخطاباتٍ تجميلية أو بإصلاحاتٍ شكلية يتمثّل في ظاهرة إعادة التدوير التي استقرّت كآلية غير مُعلنة لإدارة المجال العام وصناعة القرار. فالمسألة لم تعد مجرد تداول محدود للأشخاص داخل مؤسسات الدولة بل تحوّلت إلى نمطٍ يعيد إنتاج النخب ذاتها والمقاربات ذاتها والأدوات ذاتها التي أسهمت أصلًا في إنتاج الاختلالات أو تعميقها وإن خطورة هذه الظاهرة لا تكمن في الأشخاص بقدر ما تكمن في أثرها على بنية الدولة نفسها حيث تتعطّل مأسسة الكفاءة ويُهمَّش الرأسمال البشري ويُستبدل منطق التجديد بمنطق الاستمرارية الشكلية وعندما تتحوّل الدولة إلى دائرة مغلقة لإعادة إنتاج ذاتها فإنها تفقد تدريجيًا ما يمكن تسميته بالمناعة السيادية أي قدرتها على تصحيح مسارها من الداخل دون الحاجة إلى صدماتٍ خارجية أو تدخلاتٍ ضاغطة.
في هذه الحالة يصبح التغيير إداريًا لا بنيويًا وتتحول عملية الإصلاح إلى إعادة ترتيب للمواقع داخل المنظومة نفسها لا إلى إعادة تعريف لوظيفة الدولة أو فلسفة إدارتها. وهنا يتكرّس الجمود المؤسسي بوصفه حالة دائمة وتصبح الدولة أسيرة منطق إعادة التشغيل بدل الانتقال إلى منطق التطوير والإنتاج.
وإن كسر هذه الحلقة لا يتحقق بتبديل الوجوه فقط، بل بإعادة بناء العلاقة بين الدولة والكفاءة ضمن منظومة حوكمة حديثة تقوم على العدالة والشفافية وتكافؤ الفرص. فالدولة التي لا تُدير مواردها البشرية بمنطق الكفاءة تبقى محكومة بمنطق الاستنساخ مهما بدت مؤسساتها حديثة. ومن هنا تصبح مأسسة الكفاءة ضرورة سيادية لا خيارًا إداريًا، عبر تحويل التعيين والترقية والوصول إلى القرار العام إلى منظومة تستند إلى الأداء والقدرة والإنتاجية، لا إلى القرب من دوائر النفوذ أو احتكار المواقع. كما يصبح فتح المجال أمام الكفاءات الشابة والطاقات الجديدة شرطًا أساسيًا لضمان التجدد المؤسسي وتعزيز القدرة الداخلية للدولة على التصحيح الذاتي. وفي قلب هذا التحول لا يعود التعليم قطاعًا خدميًا أو ملفًا إداريًا منفصلًا عن مشروع الدولة، بل يتحوّل إلى أداة سيادية لإنتاج الإنسان الذي يقوم عليه العقد الاجتماعي الجديد. فالتعليم الحقيقي ليس عملية تلقينٍ معرفي، بل عملية بناء وعي داخل منظومة حوكمة تربوية تعيد تعريف العلاقة بين الفرد والدولة، وتؤسس لمواطنٍ يمتلك القدرة على الفعل لا مجرد التلقي.
إن التعليم الذي تنتجه الدولة الحديثة هو التعليم القادر على :
- الاعتراف بالإنسان لا تصنيفه
- واحترام التنوع لا إقصاءه
- وتحويل الصف المدرسي من مساحة لاستهلاك المعرفة إلى فضاء لإنتاجها
فحين يُدار التعليم بهذا المنطق فإنه يتحول إلى رافعة مباشرة لتعزيز الرأسمال الاجتماعي وإلى أداة لإنتاج الاستقرار من الداخل لا عبر أدوات الضبط التقليدية. فالتعليم القائم على الحفظ والتلقين ينتج أفرادًا بلا مبادرة ويُعيد إنتاج العقل الإداري الجامد الذي يغذّي حلقة التدوير نفسها. أما التعليم القائم على الفهم والتفكير النقدي فإنه يُنتج مواطنًا قادرًا على المشاركة في المجال العام، يمتلك وعيًا سياديًا يجعله شريكًا في الدولة لا مجرد متلقٍ لقراراتها.
وبذلك فإن المدرسة ليست مجرد مؤسسة تعليمية بل نقطة التأسيس الأولى لفكرة الدولة الحديثة فإن الطالب الذي يتعلّم داخل بيئة عادلة ديمقراطية، ومنفتحة، لا يخرج منها بشهادة فقط، بل يخرج بقدرة على التفكير، وإحساس بالمسؤولية، وقناعة بأن الانتماء الحقيقي يُبنى على المشاركة والكفاءة والعدالة. ولهذا فإن أي إصلاحٍ تعليمي لا يغيّر فلسفة التعليم نفسها سيبقى مجرد ترميمٍ شكلي للأزمة. فتحديث المناهج دون تحديث وظيفة المدرسة أو تطوير البنية التحتية دون إعادة تعريف دور التعليم في إنتاج الإنسان لا يصنع تحولًا حقيقيًا، بل ينتج نسخة محسّنة من الاختلال القائم.
وإن المطلوب اليوم ليس إصلاحًا تجميليًا بل انتقالًا نحو نموذج تعليم وطني يقوم على إنتاج الإنسان المنتج، القادر على العمل والإبداع والمشاركة، وربط التعليم بسوق العمل، وبالاقتصاد المعرفي وبحاجات الدولة المستقبلية بحيث يصبح الرأسمال البشري أصلًا سياديًا لا ملفًا ثانويًا. وكما أن العدالة التعليمية يجب أن تتحول إلى جزءٍ من العدالة الوطنية الشاملة، بحيث لا يبقى مستوى الفرص التعليمية مرتبطًا بالجغرافيا أو الطبقة الاجتماعية، بل يصبح المقعد المدرسي في القرية والبادية والمخيم مساويًا في القيمة والفرصة لنظيره في العاصمة. فالدولة التي تُنتج فجوات تعليمية، إنما تُنتج فجوات في الانتماء والثقة والاستقرار.
ومن أجل الخروج من حلقة التدوير وبناء دولة أكثر كفاءة وقدرة على التجدد، يصبح من الضروري العمل ضمن مسار إصلاحي واضح يقوم على:
2. ربط التعليم بسوق العمل والاقتصاد الإنتاجي، واعتبار العامل الفني والتقني جزءًا من الرأسمال السيادي للدولة
3. مأسسة الكفاءة داخل مؤسسات الدولة عبر أنظمة شفافة للتعيين والترقية قائمة على الأداء والمساءلة
4. كسر احتكار النخب وفتح المجال أمام الكفاءات الشابة والطاقات الجديدة للمشاركة في صناعة القرار
5. تعزيز المناعة السيادية للدولة عبر بناء قدرة داخلية مستدامة على التصحيح والتطوير الذاتي
6. تحويل الاستقرار من حالة جمود إداري إلى حالة ديناميكية قائمة على التجديد والإنتاج المستمر
وإن لحظة التحول الحقيقي في الدول لا تُقاس بكمّ القوانين أو تبدّل الواجهات، بل بقدرتها على إعادة إنتاج الإنسان الذي تراهن عليه. فالدولة التي تعجز عن إنتاج عقلٍ حرّ وكفاءةٍ منتجة ومواطنٍ شريك، تبقى عالقة داخل دائرة التكرار مهما امتلكت من أدوات الإدارة. وإن الخروج من حلقة التدوير ليس قرارًا إداريًا عابرًا بل انتقالٌ في فلسفة الدولة نفسها؛ من إدارة الواقع بمنطق التكرار، إلى صناعة المستقبل بمنطق الكفاءة والإنتاج والمعرفة.
وحينها فقط، يصبح المقعد المدرسي نقطة الانطلاق الأولى نحو دولة تُعيد إنتاج ذاتها عبر العقل لا التلقين وعبر الكفاءة لا الاستنساخ وعبر الإنسان القادر على التغيير لا الإنسان المُعاد تدويره داخل الحلقة نفسها.