بناء الإنسان قبل نقل المعرفة: دور المنظومة التعليمية في تعزيز الثقة العامة والهوية الجامعة
بقلم الدكتوره :- نور خالد المشاقبه - مساعد الامين العام لشوؤن التعليم - حزب النهضة والعمال كيف يمكن للتعليم في الأردن أن يتحول من مجرد أداة لنقل المعرفة إلى قوة استراتيجية تصوغ الوعي
بقلم الدكتوره :- نور خالد المشاقبه - مساعد الامين العام لشوؤن التعليم - حزب النهضة والعمال
كيف يمكن للتعليم في الأردن أن يتحول من مجرد أداة لنقل المعرفة إلى قوة استراتيجية تصوغ الوعي الجمعي، وتبني سردية وطنية متماسكة قادرة على مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟
يحدث الان أن تتشابك التحولات السياسية مع التحديات الاقتصادية والاجتماعيه ليصبح التعليم في الأردن ليس بوصفه قطاعا خدميا فحسب بل كأداة أساسية لصياغة السردية الوطنية وإعادة تعريف الهوية الجامعة.
فالسردية الأردنية ليست نصًا ثابتا بل هي مشروعًا مستمرًا يُعاد إنتاجه عبر الأجيال وتبقى المدرسة والجامعة أبرز مسارحه. فالتعليم في جوهره العميق هو الفاعل الخفي في تشكيل الوعي الجمعي و هو الذي يحدد كيف يرى الأردني ذاته ودولته وموقعه في العالم ومن هنا فإن أهميته لا تنحصر في نقل المعرفة أو تأهيل الأفراد لسوق العمل بل تمتد إلى تشكيل منظومة القيم وبناء الثقة العامة وإنتاج رواية وطنية متماسكة قادرة على الصمود أمام التحديات.
دور التعليم في صناعة السردية الأردنية
يلعب التعليم دورًا مركزيًا في بناء السردية الوطنية عبر ثلاثة مستويات متداخلة:
أولا
على المستوى السياسي إذ يُرسخ التعليم مفاهيم الدولة الحديثة وسيادة القانون والمواطنة الفاعلة فالمناهج التي تعزز التفكير النقدي والحوار تنتج مواطنا يدرك حقوقه وواجباته ويشارك في الحياة العامة بوعي لا بانفعال وهنا تتحول السردية من خطاب رسمي إلى قناعة مجتمعية راسخة.
ثانيا
على المستوى الاجتماعي يعيد التعليم إنتاج الهوية الوطنية الجامعة ففي مجتمع متنوع تصبح المدرسة مساحة لدمج الهويات الفرعية ضمن إطار وطني واحد حيث يتعلم الطلبة أن الاختلاف مصدر قوة لا تهديد وهكذا تبنى سردية تقوم على التعددية المنسجمة لا على الإقصاء.
ثالثا
على المستوى الاقتصادي يشكل التعليم حجر الأساس لأي نموذج تنموي فالسردية الوطنية التي لا تستند إلى فرص حقيقية وعدالة اقتصادية تبقى هشة والتعليم من خلال تأهيل الكفاءات وربطها بسوق العمل يمنح هذه السردية مصداقيتها الواقعية.
أهمية التعليم: من المعرفة إلى المعنى
تكمن أهمية التعليم في قدرته على الانتقال بالمجتمع من حالة التلقي إلى حالة الإنتاج من استهلاك الأفكار إلى صناعتها فالدول التي نجحت في بناء سرديات قوية هي تلك التي جعلت من التعليم أداة لإنتاج المعنى لا مجرد وسيلة لاكتساب المهارات. وفي الحالة الأردنية تزداد هذه الأهمية نظرا لغياب الموارد الطبيعية مما يجعل الإنسان هو الثروة الحقيقية. وبالتالي فإن أي خلل في التعليم لا يؤثر فقط على الاقتصاد بل ينعكس مباشرة على تماسك السردية الوطنية إذ يفقد الأفراد شعورهم بالعدالة والانتماء.
كيف يتم توظيف التعليم لصناعة السردية؟ الاستراتيجية المطلوبة لذلك
تحويل التعليم إلى أداة فاعلة في صناعة السردية الوطنية يتطلب استراتيجية شاملة تتجاوز الإصلاحات الشكلية ويمكن تلخيص أبرز ملامحها في الآتي:
1. إعادة صياغة المناهج كخطاب وطني حي
إذ ينبغي أن تبنى المناهج على سردية أردنية متجددة تبرز تاريخ الدولة وإنجازاتها دون أن تقع في التمجيد أو التلقين المطلوب هو تقديم رواية واقعية نقدية تعزز الانتماء الواعي وتربط الماضي بالحاضر والمستقبل.
1. الانتقال من التلقين إلى التفكير
السردية القوية لا تفرض بل تقنع. وهذا يتطلب نظاما تعليميا يُنمّي مهارات التفكير النقدي والتحليل والقدرة على طرح الأسئلة فالمواطن الذي يفكر هو الأقدر على تبني السردية الوطنية والدفاع عنها.
1. ربط التعليم بالاقتصاد الحقيقي
لا يمكن بناء سردية وطنية مقنعة في ظل بطالة مرتفعة أو فجوة بين التعليم وسوق العمل لذلك يجب مواءمة التخصصات مع احتياجات الاقتصاد وتعزيز التعليم التقني والمهني ليشعر الفرد أن الدولة تمنحه فرصة حقيقية للحياة الكريمة.
1. تمكين المعلم كمنتِج للسردية
المعلم ليس ناقلا للمعلومة فقط بل هو صانع وعي ومن هنا فإن تأهيل المعلمين وتطويرهم مهنيا وفكريا هو شرط أساسي لنجاح أي استراتيجية تعليمية. فالسردية تبنى داخل الغرفة الصفية بقدر ما تبنى في السياسات.
1. توسيع الفضاء التعليمي ليشمل المجتمع
التعليم لا يقتصر على المدارس بل يشمل الإعلام والثقافة والفضاء الرقمي ومن هنا يجب أن تبني مقاربة شاملة تنسق بين هذه الأدوات لإنتاج خطاب وطني متكامل يصل إلى مختلف الفئات خاصة الشباب.
1. ترسيخ العدالة التعليمية
لا يمكن لسردية وطنية أن تكون جامعة إذا شعر جزء من المجتمع بالتهميش لذلك فإن ضمان جودة التعليم في جميع المناطق وتقليص الفجوة بين المركز والأطراف هو عنصر أساسي في بناء الثقة العامة.
نحو سردية أردنية متجددة
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في كتابة سردية وطنية بل في جعلها قابلة للحياة والتجدد والتعليم هو الأداة الوحيدة القادرة على تحقيق ذلك لأنه يعمل في العمق وعلى المدى الطويل ويستهدف الإنسان في وعيه وسلوكه.
وفي المحصلة فإن التعليم في الأردن ليس مجرد قطاع إصلاحي بل هو مشروع وطني بامتياز ومن خلاله يمكن بناء سردية أردنية حديثة تقوم على الكفاءة والعدالة والانتماء الواعي وتمنح الدولة القدرة على مواجهة التحديات بثقة وصناعة مستقبل أكثر تماسكا واستقرارا.
دام الأردن والقيادة الهاشمية عصيا منيعا في ظل صاحب الجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين وولي عهده الأمين صاحب السمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني