وكالة الرقيب الدولي الإخبارية
أقلام وآراء

اغتراب القلب في شهر القُرب

يونس الكفرعيني في كل عام، يأتي شهر رمضان محمّلًا بوعدٍ خفي لا يُعلن في الشعارات، لكنه يستقر في أعماق

شاركWhatsAppFacebookX
اغتراب القلب في شهر القُرب


يونس الكفرعيني

في كل عام، يأتي شهر رمضان محمّلًا بوعدٍ خفي لا يُعلن في الشعارات، لكنه يستقر في أعماق الإنسان كفرصة نادرة للعودة؛ عودة الروح إلى صفائها الأول، وعودة القلب إلى مركزه بعد أن أنهكته تفاصيل الحياة وأثقلته الأيام. ليس رمضان مجرد زمن للصيام والانقطاع عن الطعام، بل هو زمن للامتلاء من نوع مختلف، امتلاء بالمعنى والسكينة، وبذلك الشعور العميق بالقرب الذي لا يُقال بقدر ما يُعاش. ومع ذلك، تتكرر مفارقة صامتة في حياة كثيرين، إذ يدخلون هذا الشهر وهم يترقبون أثره، ثم يخرجون منه دون أن يلمس شيئًا في داخلهم، وكأن القلب كان غائبًا عن الموعد، أو كأن المسافة بينه وبين المعنى كانت أبعد مما يُظن.
هذه الحالة، التي يمكن وصفها باغتراب القلب، لا تعني غياب الممارسة بقدر ما تعني غياب الأثر. قد يكون الإنسان في رمضان أكثر التزامًا من أي وقت مضى، يؤدي صلاته، ويصوم، ويقرأ، ويشارك في الطقوس الجماعية، لكنه مع ذلك يشعر بأن شيئًا ما ينقص، بأن تلك الشعلة الداخلية التي يفترض أن تشتعل في هذا الشهر لا تضيء كما ينبغي. هنا يتجلى الفارق العميق بين الفعل والحضور، بين أن تؤدي العبادة بوصفها واجبًا، وأن تعيشها بوصفها تجربة. فالأفعال يمكن أن تتكرر بلا أثر، لكن التجربة وحدها هي التي تترك بصمتها في الداخل، وهي التي تمنح الزمن معناه الحقيقي.
ولعل أحد أبرز أسباب هذا الاغتراب هو ذلك الازدحام الذي لم يعد يقتصر على الخارج، بل امتد إلى داخل الإنسان نفسه. فالحياة المعاصرة، بإيقاعها السريع وتدفقها المستمر، لم تترك للإنسان مساحة كافية ليصغي إلى ذاته، ورمضان، الذي يفترض أن يكون استثناءً من هذا الإيقاع، أصبح في كثير من الأحيان امتدادًا له. تتزاحم المواعيد، وتكثر الدعوات، وتمتلئ الساعات بالشاشات والمتابعات، حتى يكاد الإنسان لا يجد لحظة خالصة لنفسه، لحظة يهدأ فيها، ويعيد ترتيب ما في داخله، ويستعيد صلته بما فقده دون أن يشعر.
في ظل هذا الازدحام، تتحول العبادة تدريجيًا إلى نشاط ضمن قائمة طويلة من الأنشطة، تُؤدّى وتُنجز، لكنها لا تُعاش. يصلي الإنسان وهو يفكر في ما بعد الصلاة، ويقرأ دون أن يتوقف عند معنى، ويدعو دون أن يمنح الدعاء ما يستحقه من حضور. ومع مرور الأيام، تتشكل فجوة صامتة بين ما يفعله وما يشعر به، فيستمر في الأداء بينما يتسع الفراغ الداخلي. هذه الفجوة، وإن بدت بسيطة، إلا أنها مع الوقت تصبح أحد أهم ملامح اغتراب القلب، إذ يفقد الإنسان تدريجيًا قدرته على التفاعل العميق مع ما يقوم به، ويكتفي بالحد الأدنى من الإحساس.
ولا يمكن إغفال دور الاعتياد في تكريس هذه الحالة؛ فالأشياء التي تتكرر تفقد شيئًا من دهشتها، والعبادات التي تُؤدّى بلا وعي تتحول إلى عادات، والعادة تميل إلى الاستمرار أكثر مما تميل إلى الإحساس. وهنا، لا يعود الإنسان يتساءل عمّا يعيشه، بل يمرّ به مرورًا سريعًا. غير أن رمضان، في جوهره، ليس شهر العادة، بل شهر الاستعادة؛ استعادة القدرة على الشعور، وعلى التأمل، وعلى رؤية الأشياء كما لو أنها تُرى للمرة الأولى.
ومع كل ذلك، تبقى الحقيقة الأهم أن هذا الاغتراب، مهما بدا عميقًا، ليس قدرًا نهائيًا، بل حالة قابلة للتغيير. فإحساس الإنسان بأنه لا يشعر، هو بحد ذاته شكل من أشكال الوعي، وبداية ممكنة للعودة. يكفي أحيانًا أن يعترف بهذه المسافة بينه وبين ما ينبغي أن يكون عليه، حتى يبدأ في البحث عن طريق مختلف. وهذه العودة لا تحتاج إلى تغييرات جذرية بقدر ما تحتاج إلى صدق بسيط، إلى قرار داخلي بأن يكون حاضرًا، ولو في لحظات قليلة.
حين يبدأ هذا التحول، يتغير شكل التجربة. تصبح الصلاة مساحة لقاء لا واجبًا عابرًا، وتتحول القراءة إلى حوار صامت مع النص، ويكتسب الدعاء طعم الانتظار الحقيقي. وقد لا يحدث ذلك بشكل كامل، لكنه يظهر في ومضات، في لحظات قصيرة يشعر فيها الإنسان بسكون غير معتاد، أو براحة مفاجئة، أو بدمعة تأتي دون مقدمات. هذه اللحظات، على بساطتها، تحمل دلالة عميقة، فهي تشير إلى أن القلب لم يفقد قدرته على العودة، بل كان يحتاج فقط إلى فرصة.
إن استعادة هذه الحالة لا ترتبط بكثرة ما يفعله الإنسان، بل بنوعية حضوره فيما يفعل. فقد تكون دقائق قليلة من الصدق كفيلة بإحداث فرق كبير، وقد تكون لحظة تأمل واحدة أعمق أثرًا من ساعات طويلة من الانشغال. فالروح لا تحتاج إلى كثير، لكنها تحتاج إلى مساحة، وهذه المساحة لا تُمنح من الخارج، بل تُصنع من الداخل، حين يختار الإنسان أن يخفف من الضجيج، وأن يقترب قليلًا من ذاته.
وفي نهاية الأمر، لا يمكن النظر إلى رمضان بوصفه اختبارًا للكمال، يُفترض أن يخرج منه الإنسان بلا نقص، بل هو فرصة مفتوحة للسعي، للتجربة، وللمحاولة المستمرة. ليس المهم أن يصل الإنسان إلى حالة مثالية، بل أن يتحرك في الاتجاه الصحيح، وأن يسمح لهذا الشهر بأن يترك أثره، ولو كان بسيطًا. فالأثر الحقيقي لا يُقاس بحجمه، بل بقدرته على الاستمرار بعد انتهاء الزمن.
يبقى السؤال الأهم: أين القلب من كل ما يحدث؟ ليس من الضروري أن يفعل الإنسان الكثير ليجيب، بل يكفي أن يتوقف قليلًا، أن يصغي، وأن يمنح نفسه فرصة ليكون حاضرًا لا فقط مؤديًا. فخطر اغتراب القلب لا يكمن في أنه يحرم الإنسان من لحظة عابرة، بل في أن يمرّ الشهر كله دون أن يترك فيه ما يستحق أن يُحمل إلى ما بعده. وفي المقابل، فإن عودة واحدة صادقة، ولو متأخرة، قادرة على أن تغيّر معنى التجربة كلها، وأن تعيد للقرب معناه، ولرمضان روحه التي جاء من أجلها.

أخبار ذات صلة