وكالة الرقيب الدولي الإخبارية
منبر الرقيب الدولي

مكة المكرمة… حين تتحول خدمة ضيوف الرحمن إلى مشروع دولة تقوده قيادة استثنائية

كتب: د. زيد مُعين المراشده - في مكة المكرمة، تتغير معايير القياس. فهنا لا تُقاس المدن باتساع طرقها أو ارتفاع مبانيها فحسب، وإنما بقدرتها على احتضان

شاركWhatsAppFacebookX
مكة المكرمة… حين تتحول خدمة ضيوف الرحمن إلى مشروع دولة تقوده قيادة استثنائية


كتب: د. زيد مُعين المراشده -

في مكة المكرمة، تتغير معايير القياس. فهنا لا تُقاس المدن باتساع طرقها أو ارتفاع مبانيها فحسب، وإنما بقدرتها على احتضان ملايين القلوب التي تتجه إليها كل يوم من مشارق الأرض ومغاربها. هنا تتجسد أعظم رسالة إنسانية وروحية في خدمة ضيوف الرحمن الذين يقصدون بيت الله الحرام طلباً للسكينة والطمأنينة.

وخلال الفترة من الأول وحتى الرابع من أذار 2026، تشرفت بأداء مناسك العمرة في مكة المكرمة ضمن بعثة كريمة برعاية جلالة الملكة رانيا العبدالله حفظها الله، وكانت تلك الزيارة فرصة حقيقية لمشاهدة واحدة من أعظم التجارب التنظيمية والإدارية التي يمكن أن تقدمها دولة لخدمة ملايين الزوار في وقت واحد.

ففي شهر رمضان المبارك، حيث تتضاعف أعداد المعتمرين بشكل غير مسبوق، تتحول مكة المكرمة إلى قلب نابض للعالم الإسلامي. ومع ذلك، فإن ما يراه الزائر من دقة التنظيم وسلاسة الحركة يبعث على الإعجاب العميق، ويؤكد أن ما تقوم به المملكة العربية السعودية ليس مجرد إدارة موسم ديني، وإنما مشروع حضاري متكامل في خدمة الإسلام والمسلمين.

لقد نجحت المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان حفظهما الله، في بناء منظومة متقدمة لخدمة الحجاج والمعتمرين تقوم على التخطيط الاستراتيجي والبنية التحتية الحديثة والتكامل بين مختلف مؤسسات الدولة.

ومنذ لحظة وصول المعتمر إلى الأراضي المقدسة، يلمس حجم الجهود المبذولة في تنظيم حركة القادمين من مختلف دول العالم، سواء عبر المنافذ الجوية أو البرية. فالإجراءات تسير بسلاسة لافتة، والاستقبال يتم بروح من الحفاوة والترحاب، بما يعكس القيم الأصيلة للمملكة وشعبها في إكرام ضيوف الرحمن.

أما في محيط المسجد الحرام، فإن المشهد يتجاوز حدود الوصف التقليدي. ملايين المعتمرين يتحركون في فضاء واحد، لكن النظام يحكم التفاصيل بدقة مذهلة. رجال الأمن والشرطة ينتشرون في كل زاوية بهدوء وثقة، يعملون بإخلاص على تنظيم الحشود وتوجيه الزوار، في صورة تعكس أعلى درجات المهنية والإنسانية في آن واحد.

ولا يمكن إغفال حجم التطور الهائل الذي شهدته مكة المكرمة في بنيتها التحتية خلال السنوات الأخيرة؛ طرق حديثة، مسارات منظمة، إدارة دقيقة لحركة الحشود، ونظافة لافتة في الشوارع والساحات المحيطة بالحرم المكي. إنها منظومة متكاملة تعمل بكفاءة عالية على مدار الساعة لتوفير أقصى درجات الراحة والأمان لضيوف بيت الله الحرام.

وما يميز هذه التجربة حقاً هو ذلك الشعور العميق بأن كل ما يُبذل هنا لا يقوم فقط على الإمكانات المادية الضخمة، وإنما على قناعة راسخة لدى القيادة والشعب في المملكة بأن خدمة الحرمين الشريفين شرف عظيم ومسؤولية تاريخية.

لقد غادرت مكة المكرمة وأنا أحمل في ذاكرتي مشاهد لا تُنسى من التفاني والعمل الدؤوب الذي يقدمه آلاف العاملين ورجال الأمن والمتطوعين الذين يسهرون على راحة المعتمرين. هؤلاء الجنود المجهولون يشكلون جزءاً أساسياً من هذه المنظومة الحضارية التي جعلت من خدمة ضيوف الرحمن نموذجاً عالمياً يحتذى به في إدارة الحشود وتنظيم أكبر التجمعات البشرية.

إن ما يحدث في مكة خلال مواسم العمرة، وخاصة في شهر رمضان المبارك، هو رسالة حضارية تؤكد أن المملكة العربية السعودية ماضية بثبات في أداء رسالتها التاريخية في رعاية الحرمين الشريفين وخدمة الإسلام والمسلمين.

وستبقى مكة المكرمة شاهدة على هذه الجهود العظيمة، كما ستبقى المملكة العربية السعودية، بقيادتها الحكيمة وشعبها الكريم، عنواناً للعطاء ومسؤولية كبرى في خدمة قبلة المسلمين، حيث تتحول خدمة ضيوف الرحمن من واجب إداري إلى رسالة شرف تتوارثها الأجيال.

أخبار ذات صلة