وصفي التل… رجلٌ أدرك الحقيقة فوقف شامخًا على دربها، فدفع ثمنها دمًا وظُلمًا واستشهادًا.
كتب: مُعين المراشده * - في الذكرى الرابعة والخمسين لاغتيال الشهيد الأكبر، رئيس الوزراء وصفي التل، يعود حضوره في الوجدان الأردني والعربي كأنه يمشي بيننا اليوم
في الذكرى الرابعة والخمسين لاغتيال الشهيد الأكبر، رئيس الوزراء وصفي التل، يعود حضوره في الوجدان الأردني والعربي كأنه يمشي بيننا اليوم. فوصفي لا يُستذكَر بوصفه رجل دولة فحسب، بل بوصفه مشروعًا وطنيًا متكاملاً: فكرًا، ورؤيةً، وشجاعة، وعفة يدٍ ولسان.
تتزاحم صور حياته في الذاكرة... وصفي الطفل في بيتٍ أردني بسيط، والطالب الذي صاغ وعيه مبكرًا، والجندي الذي حمل البندقية على أسوار القدس وباب الواد، والفلاح الذي التصق بتراب الوطن، والكاتب والمفكر والسياسي الذي لم ينفصل يومًا عن نبض شعبه.
وصفي القول والفعل، وصفي العمل الدؤوب، ثم وصفي الشهيد الذي حمل الحقيقة بين يديه ومضى بها حتى آخر لحظة من حياته.
كان وصفي في قلب السياسة الأردنية والعربية ـأكثر من مجرد رئيس وزراء.. كان مدرسة دولةٍ بكل ما تعنيه الكلمة.
في حقبةٍ مضطربة تتجاذبها الصراعات الإقليمية، برز وصفي كأحد أوضح رجالات الأردن رؤيةً وأكثرهم صلابة. لم يكن سياسيًا يكتفي بإدارة الواقع، بل كان صانعًا للمستقبل، يرسم ملامح الدولة الأردنية الحديثة... دولة مؤسسات، وسيادة قانون، وأمن داخلي متماسك، واقتصاد منتج لا تابع.
وقد شكّل وصفي أحد أعمدة القرار العربي في مرحلةٍ وُصفت بأنها الأخطر منذ نكبة فلسطين.
كان صوته يسمع في القمم واللجان العربية، قويًا شفافًا، لا يساوم على الحق، ولا يُخفي الحقيقة خشية رضى أحد. وكان يذكّر العرب دائماً بأن فلسطين ليست ملفًا سياسيًا، بل قضية مصيرٍ عربيّ كامل.
وفي الداخل الأردني، أعاد وصفي تعريف معنى "رجل الدولة".
جعل النزاهة منهجًا لا شعارًا، والانحياز للشعب واجبًا لا مزاجًا، ومواجهة الفساد معركةً لا تنازل فيها. وفي زمن الانقسامات العربية وغياب الوضوح، كان وصفي صوت الثبات، يجمع بين الحكمة والجرأة، وبين الحزم والإيمان العميق بوحدة الصف الوطني والقومي معًا.
أما عربيًا، فقد كان وصفي التل صمام أمان وصوت عقلٍ في لحظات الانقسام والارتباك.
وقف ضد تسييس السلاح، وضد الزجّ بالشعوب العربية في صراعات لا تخدم قضيتها الأولى. دعا إلى وحدة القرار العسكري العربي، وإلى أن تبقى فلسطين محور الفعل لا أداةً في أيدي المتنازعين. وكان يؤمن أن قوة الأردن وتماسكه جزء من قوة الأمة كلها، وأن توازن المشرق لا يقوم إلا على دور أردني راسخ وواضح.
نعم… وصفي قُتل ظلمًا.
قُتل لأنه وضع أول خطة استراتيجية عربية شاملة لتحرير فلسطين، وقدّمها قبل استشهاده بساعة واحدة إلى مجلس وزراء الدفاع العرب.
وقُتل لأنه كان أول من دعا إلى انتفاضة الحجر والعصا والسكين داخل فلسطين، قبل عقود من اندلاعها.
وقُتل لأنه آمن أن الجبهة الحقيقية للصراع هي الجبهة الداخلية، وأن تسليح الشعب الفلسطيني وتمكينه هو الطريق الأصدق للنصر.
وقُتل لأنه رفض أن يكون شاهد زور، ورفض أن يهادن، ورفض أن يغيّر قناعته تحت ضغط أي قوةٍ أو جهة.
بعد أربعة وخمسين عامًا على رحيله، تُثبت الأحداث والوقائع أن وصفي كان أصدق نظرةً، وأعمق فهمًا، وأبعد رؤيةً مما ظنه الكثيرون في زمنه. لا تزال فلسطين تقول بما قال، ولا تزال الأمة تبحث عن رجلٍ من طينته.. ثابت على الحق، نقيّ اليد، عفيف الكلمة، لا يتلوّن ولا يساوم.
في ذكرى استشهاده، أقول لدعاة المساومات الزائفة:
اقرأوا وصفي.
عودوا إلى فكره.
افهموا رؤيته.
ستدركون أن طريق التحرير لم يكن يومًا ناعمًا ولا معبّدًا، وأن الرجل الذي سبق عصره لم يُقتل إلا لأنه عرف الحقيقة كاملة، وأعلنها بلا خوف، وسار نحوها حتى النهاية.
وصفي التل… شهيد الحقيقة، ورمز الدولة النظيفة، وصوتٌ ما زال حيًا في ضمير كل أردني حرّ، وفي كل أرضٍ تنتظر فجراً جديداً.
* ناشر ورئيس هيئة تحرير وكالة "الرقيب الدولي" الإخبارية.