لم يعد المشهد التجاري في مدينة إربد كما كان، الأسواق التي كانت تضج بالحياة والناس والحركة، باتت اليوم تئن تحت وطأة الركود والغلاء والإحباط. كل يوم نسمع عن محل أغلق أبوابه، أو مطعم عجز عن الاستمرار، أو تاجر باع مفاتيح حلمه بعد أن أثقلته الديون. والسؤال الكبير الذي يتردّد على ألسنة الجميع: لماذا وصلنا إلى هنا؟
الجواب ليس سهلًا، لكنه واضح لمن يعيش تفاصيل السوق يوميًا، الإيجارات باتت نارًا تحرق التجار قبل بضائعهم، والضرائب والرسوم لا ترحم أحدًا. ضريبة المبيعات المرهقة تلتهم الأرباح، وضريبة الدخل تستنزف البقية الباقية، واقتطاعات الضمان الاجتماعي تضاف على كاهل أصحاب المحال والعاملين معًا.
أما رسوم رخص المهن والقارمات والتفتيش والمخالفات، فهي قصة أخرى من المعاناة اليومية، إذ يتحول التاجر الصغير إلى هدفٍ سهل لعقوبات ومطالبات مالية بحجج أحيانًا غير مبرّرة، وكأن المطلوب أن يغلق لا أن يستمر.
الكلف التشغيلية في ارتفاع مستمر: أجور العمال، الكهرباء، المياه، الصيانة، النقل، المواد الخام، وكل ذلك دون أي توازن مع القدرة الشرائية المتآكلة للمواطن.
فالناس اليوم تحسب خطواتها قبل أن تشتري شيئًا، وتُعيد النظر حتى في أبسط النفقات اليومية. النتيجة: مبيعات ضعيفة، سيولة شحيحة، وأسواق تفرغ تدريجيًا من حيويتها.
إربد — المدينة النابضة بالحياة والعلم والتاريخ — بدأت تفقد نبضها التجاري.
قلة الطلبة العرب والأجانب أثّرت كثيرًا على الحركة الاقتصادية، خاصة في المناطق المحيطة بالجامعة، حيث كانت المطاعم والمقاهي والمتاجر تعتمد على وجودهم كرافعة حقيقية للسوق المحلي.
وللأسف، بدل أن تُقدَّم الحلول، يزداد الضغط على التاجر والمستثمر الصغير. لا تسهيلات حقيقية، ولا حوافز مشجّعة، ولا حماية من الكلف المبالغ بها أو المنافسة غير المنظّمة. السوق أصبح مكتظًا بالمشاريع المتشابهة دون تخطيط، والمنافسة تحولت إلى استنزاف متبادل لا رابح فيه.
إنّ ما يجري في قلب إربد التجاري ليس مجرّد أزمة عابرة، بل مؤشر خطير على حالة اختناق اقتصادي متصاعدة.
إذا لم تتدخل الجهات المعنية بخطة واقعية لإنقاذ القطاع التجاري — بتخفيض الضرائب والرسوم، ومراجعة الإيجارات، وضبط المخالفات العشوائية، وتقديم دعم حقيقي للمشاريع الصغيرة — فإننا سنستيقظ قريبًا على أسواق نصفها مغلق والنصف الآخر يحتضر.
التاجر ليس خصمًا للدولة، بل شريك في بنائها. والمحلّات والمقاهي والمطاعم ليست مجرد واجهات جميلة للمدينة، بل هي شرايينها النابضة التي تُبقيها حيّة. وإذا توقفت هذه الشرايين، فلن يفيدنا التجميل ولا الشعارات.
إربد تستحق أن تُنقَذ. تستحق أن تُعامَل كعاصمة شمال الأردن النابضة، لا كمدينة تُترك لمصيرها الاقتصادي الصعب.
لقد آن الأوان لأن نرى قرارات حقيقية لا وعودًا مؤقتة، وأن يكون هناك حوار صريح بين الحكومة والبلدية والتجار والمواطنين، لأن إنقاذ السوق هو إنقاذ للمدينة بأكملها.
* ناشر ورئيس هيئة تحرير وكالة "الرقيب الدولي" الإخبارية.