وكالة الرقيب الدولي الإخبارية
عين الرقيب

قضية «أفران رمانة» تضع حماية الاستثمار أمام اختبار حقيقي.. من المسؤول؟ وكيف يكون الحل؟

الرقيب الدولي - مخبز استثمر نحو مليوني دينار واستوفى متطلبات الترخيص وحصل على الموافقات الرسمية ، ثم وجد نفسه أمام قرار

شاركWhatsAppFacebookX
قضية «أفران رمانة» تضع حماية الاستثمار أمام اختبار حقيقي.. من المسؤول؟ وكيف يكون الحل؟


الرقيب الدولي - 

مخبز استثمر نحو مليوني دينار واستوفى متطلبات الترخيص وحصل على الموافقات الرسمية ، ثم وجد نفسه أمام قرار بالإغلاق بعد أن باشر العمل قبل نحو ثلاث سنوات، والقضية تفتح سؤالاً أكبر: كيف نحمي الاستثمار عندما تتبدل القرارات بعد إنفاق رأس المال؟

لم تعد قضية «أفران رمانة» في منطقة طبربور مجرد خلاف حول ترخيص مخبز أو اعتراض على موقع منشأة غذائية، بل تحولت إلى قضية تحمل في طياتها سؤالاً اقتصادياً وقانونياً أوسع يتعلق بمناخ الاستثمار في الأردن، وبمدى قدرة المستثمر على الوثوق بالقرارات والموافقات الرسمية التي يحصل عليها قبل أن يضخ ملايين الدنانير في مشروعه.

القضية التي أعاد برنامج «صوت حياة» مع الإعلامي ليث الجبور على إذاعة وتلفزيون حياة الاثنين ، تسليط الضوء عليها، تكشف عن مشروع تقول الشركة المالكة على لسان السيد ياسر الفيومي إنه استثمر فيه قرابة مليوني دينار، ويوفر عشرات فرص العمل، وأن إجراءات إنشاء ونقل المخبز إلى طبربور تمت عبر الجهات الرسمية المختصة وبعد استكمال المتطلبات اللازمة، وبعد الحصول على عدم ممانعة واستكمال إجراءات الكشف والترخيص، ثم الحصول على رخص المهن ومباشرة العمل.

واللافت في القضية في المداخلة التي أثارت الملف مجدداً عبر البرنامج تحدث مالك المخبز عن حجم الاستثمار والتداعيات التي لحقت بالمشروع، مؤكداً أن المنشأة لم تبدأ عملها من فراغ، وإنما بعد الحصول على الموافقات الرسمية اللازمة، قبل أن تفاجأ لاحقاً بصدور قرار بإلغاء الترخيص.

وفي المقابل، وبحسب ما ورد في المداخلة، أوضح مدير إدارة المخزون في وزارة الصناعة والتجارة والتموين عبدالله المناصير أن المخبز استوفى الاشتراطات، وحصل على عدم ممانعة من أقرب المخابز، وأن إجراءات الترخيص تمت وفق أحكام القانون، قبل أن يصدر لاحقاً قرار قضائي بإلغاء قرار نقل المخبز إلى منطقة طبربور.

وهنا تحديداً تكمن جوهر المشكلة.
إذا كان المستثمر قد تقدم بطلبه إلى الجهات المختصة، واستكمل الإجراءات المطلوبة، وحصل على موافقات رسمية، ثم أنفق قرابة مليوني دينار، وشغّل نحو 75 عاملاً، فمن يتحمل كلفة الإغلاق بعد أن أصبح المشروع قائماً على الأرض؟

هذا السؤال لا يعني بأي حال من الأحوال المساس باستقلال القضاء أو التشكيك في أحكامه، كما لا يعني منح أي مستثمر حصانة من تطبيق القانون، بل على العكس تماماً؛ فاحترام القضاء وتنفيذ أحكامه مبدأ لا خلاف عليه.

لكن القضية تفتح باباً مشروعاً للنقاش حول كيفية معالجة الآثار الاقتصادية والاجتماعية المترتبة على القرارات عندما يتعلق الأمر بمشروع قائم استثمر فيه رأس مال كبير، وأصبح مرتبطاً بحقوق عاملين والتزامات مالية وتجارية وغيرها.

بين قرار الترخيص وقرار الإلغاء.. أين تقف حماية الاستثمار؟

المعلومات المنشورة حول الملف تشير إلى أن الشركة حصلت على موافقة نقل المخبز إلى طبربور، ثم باشرت العمل، قبل أن تدخل القضية مساراً قضائياً.

ويبدو أن النقطة التي تستحق أن تتدخل فيها الجهات صاحبة الاختصاص ممثلة بوزارة الصناعة والتجارة والتموين لإيجاد حل قانوني يحفظ هيبة القضاء، وفي الوقت ذاته لا يهدر استثماراً قائماً ولا يضع عشرات الأسر أمام المجهول.

ماذا تقول تعليمات ترخيص المخابز؟

تزداد أهمية الملف عند النظر إلى فلسفة تعليمات ترخيص المخابز، التي لم تضع فقط شروطاً تنظيمية تتعلق بالمواقع والمسافات، وإنما أنشأت إطاراً إدارياً للتعامل مع قطاع المخابز وتنظيمه.

وتوجد تعليمات رسمية لترخيص المخابز، بما يؤكد أن تنظيم القطاع يتم من خلال قواعد وتعليمات إدارية محددة.

وبحسب ما تستند إليه الشركة في دفاعها، فإن المادة الخامسة من تعليمات ترخيص المخابز رقم 26 لسنة 2021 تتضمن صلاحيات في التعامل مع بعض الاشتراطات التنظيمية والاستثناء منها في حدود ما تسمح به التعليمات، مع بقاء الاشتراطات الصحية وشروط السلامة العامة خارج نطاق أي استثناء.

وهنا تظهر مساحة مهمة للنقاش القانوني والإداري:

هل يمكن للجهة الإدارية المختصة، ضمن الحدود التي يسمح بها القانون والتعليمات، أن تبحث عن معالجة تحفظ مشروعاً قائماً وتمنع إهدار الاستثمار وفرص العمل، من دون أن يعني ذلك تعطيل حكم قضائي أو الالتفاف عليه؟

هذا سؤال يستحق إجابة رسمية وقانونية واضحة.

فالمطلوب ليس أن تُمنح «رمانة» معاملة تفضيلية، وإنما أن تُبحث كل الوسائل القانونية المتاحة التي تحقق المصلحة العامة وتحافظ على الاستثمار، إن كان القانون يسمح بذلك.

الاستثمار لا يبدأ عند وضع حجر الأساس.. بل يبدأ بالثقة بالقرار الرسمي

في الاقتصاد الحديث، لا تقاس جاذبية الاستثمار فقط بحجم الحوافز والإعفاءات، وإنما أيضاً بدرجة استقرار البيئة التشريعية والإدارية.

المستثمر الذي ينفق مليوني دينار لا يبني مشروعه على توقعات شخصية؛ وإنما يبني قراره على سلسلة من الموافقات والتراخيص والكشوفات والقرارات الصادرة عن مؤسسات الدولة.

ولهذا فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى المستثمرين ليست فقط: «استثمروا في الأردن»، وإنما أيضاً:

إذا استثمرتم وفق القانون، واستكملتم الإجراءات الرسمية، فالدولة ستعمل بكل ما يسمح به القانون على حماية استثماراتكم ومعالجة أي إشكالات قد تطرأ لاحقاً.

وهذه هي النقطة التي تجعل قضية «أفران رمانة» أكبر من مجرد قضية مخبز. فوراء المشروع رأس مال كبير، ومعدات ومنشآت والتزامات، وقرابة 75 فرصة عمل وفق ما ذكرته الشركة، فضلاً عن سلسلة من الموردين والمتعاملين والمصالح المرتبطة بالمشروع.

وإذا كان بالإمكان إيجاد معالجة قانونية تحفظ المشروع من دون المساس بحكم قضائي أو بحقوق المنافسين، فإن الوصول إليها ينبغي ألا يكون خياراً ثانوياً، بل هدفاً يستحق الدراسة الجادة.

لا أحد يريد مخالفة القانون.. ولا أحد يريد قتل الاستثمار

المعادلة هنا يجب ألا تكون: إما تطبيق القانون أو حماية الاستثمار. بل السؤال الحقيقي هو: كيف نطبق القانون بطريقة تحمي الاستثمار؟ وكيف نصل إلى صيغة تحقق التوازن بين حقوق المخابز القائمة، ومتطلبات تنظيم القطاع، وحق المستثمر في استقرار مركزه القانوني، والمصلحة العامة، وحقوق العاملين؟

وإذا كان هناك حكم قضائي واجب التنفيذ، فمن الواجب احترامه وتنفيذه. لكن في المقابل، وإذا كانت هناك مساحة قانونية تسمح تصويب وضعه أو منحه معالجة إدارية تحقق المصلحة العامة، فمن المشروع تماماً أن تبحث الوزارة والجهات المعنية في هذه الخيارات.

القانون لا ينبغي أن يكون مجرد أداة لإغلاق المشروع، بل يمكن أن يكون أيضاً أداة لإيجاد الحلول.

الكرة الآن في ملعب الجهات المختصة
قضية «أفران رمانة» تحتاج اليوم إلى إجابة مؤسسية هادئة وواضحة، وتحتاج تحديداً إلى إجابات عن أسئلة مشروعة:

هل توجد، ضمن التشريعات والتعليمات النافذة، أي خيارات قانونية لمعالجة وضع المشروع؟

وهل يمكن حماية هذا الاستثمار  من خلال حل قانوني لا يتعارض مع الحكم القضائي؟

ومن يتحمل مسؤولية الكلفة الاقتصادية التي ترتبت على قرارات وموافقات رسمية صدرت قبل أن يتغير الوضع القانوني للمشروع؟
هذه ليست أسئلة ضد وزارة الصناعة والتجارة، ولا ضد القضاء، ولا ضد المخابز المنافسة.. إنها أسئلة مع الدولة ومصلحة الدولة.

المطلوب حل لا خصومة

الأردن اليوم بحاجة إلى ترسيخ صورة الدولة التي تشجع الاستثمار وتحمي المستثمر الملتزم بالقانون، لا إلى فتح الباب أمام مخاوف المستثمرين من أن مشروعاً قد يحصل على الموافقات اللازمة، ثم بعد سنوات من الإنفاق والعمل يجد نفسه أمام واقع مختلف تماماً.

وإذا كانت قضية «أفران رمانة» قد وصلت إلى القضاء، فإن ذلك لا يمنع – ضمن الحدود القانونية – من البحث عن حلول إدارية وتنظيمية، تحترم الأحكام القضائية وتحافظ في الوقت نفسه على قيمة الاستثمار.

رسالة إلى صانع القرار

إن احترام القضاء لا يعني إغلاق كل أبواب الحل، وإنما يعني البحث عن الحلول التي لا تتعارض مع أحكامه.

أما المشروع الذي أنفق قرابة مليوني دينار، واستحدث عشرات فرص العمل، وحصل – وفق ما تؤكده وزارة الصناعة والتجارة والشركة – على موافقات رسمية قبل أن تتغير الظروف القانونية للمشروع، فإنه يستحق أن تُبذل من أجله أقصى الجهود القانونية والإدارية لإيجاد مخرج يحفظ الاستثمار، ويصون حقوق العاملين، ويحترم القضاء، ويحقق المصلحة العامة.

فالمطلوب اليوم ليس انتصار «رمانة» على غيرها، ولا انتصار مخابز طبربور عليها.
المطلوب أن تنتصر دولة القانون، وأن ينتصر الاستثمار، وأن تنتصر المصلحة العامة.
وهنا يصبح السؤال الأهم أمام أصحاب القرار: هل نغلق مشروعاً استثمر ملايين الدنانير وشغّل عشرات الأردنيين، أم نبحث – ضمن القانون – عن صيغة تحفظ المشروع وتضمن في الوقت ذاته احترام جميع الحقوق والأحكام القضائية؟

ذلك هو الاختبار الحقيقي لمدى قدرة البيئة الاستثمارية الأردنية على تحويل شعار «دعم الاستثمار» إلى ممارسة عملية يشعر بها المستثمر على أرض الواقع.

أخبار ذات صلة